معاريف بريس – أخبار وطنية
محمد الطالبي
تكشف الأرقام التي أعلنت عنها رئاسة النيابة العامة عن تحول لافت في موقع العدالة التصالحية داخل السياسة الجنائية بالمغرب، بعدما بلغ عدد المستفيدين من مسطرة الصلح 40 ألف شخص خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، بارتفاع يقارب 80 في المائة مقارنة مع السنة الماضية، في حصيلة تعد الأفضل منذ اعتماد هذه المسطرة سنة 2003.
وتعكس هذه النتائج توسعا ملحوظا في تفعيل الصلح باعتباره آلية بديلة للدعوى العمومية في القضايا التي يسمح القانون بتسويتها بهذه الطريقة، بما يفتح المجال أمام معالجة عدد من النزاعات خارج مسار المحاكمة، وفق الضوابط القانونية المعمول بها.
ومكنت هذه المسطرة من تسوية 40 ألف قضية، وتحصيل مبالغ مالية تناهز 30 مليون درهم أودعت مباشرة في صناديق المحاكم. ولا تقتصر دلالة هذه الأرقام على حجم القضايا التي تمت تسويتها، بل تمتد إلى ما تتيحه العدالة التصالحية من إمكانات لترشيد تدبير الملفات القضائية وتخفيف الضغط على المحاكم، بما يسمح بتوجيه الموارد القضائية نحو القضايا التي تستدعي البت القضائي.
ويبرز الارتفاع المسجل بنسبة 80 في المائة تنامي الاعتماد على هذه الآلية في تدبير القضايا المؤهلة للصلح، كما يعكس أهمية الدور الذي تضطلع به النيابات العامة في تفعيل البدائل القانونية المتاحة، في إطار توجه يروم تنويع أساليب معالجة النزاعات وعدم حصرها في المتابعة والمحاكمة.
وتحمل الحصيلة المسجلة دلالة مؤسساتية إضافية، بالنظر إلى أنها الأفضل منذ إدراج مسطرة الصلح في قانون المسطرة الجنائية سنة 2003، وهو ما يؤشر على تطور ملموس في تفعيل العدالة التصالحية بعد أكثر من عقدين على اعتمادها.
غير أن نجاح هذا التوجه لا يقاس بالأرقام وحدها، بل يرتبط أيضا بمدى احترام حقوق الضحايا والأطراف المعنية، وتنفيذ الالتزامات المترتبة عن الصلح، وضمان تطبيق هذه الآلية في نطاقها القانوني، دون أن تتحول إلى وسيلة للإفلات من المساءلة في القضايا التي لا يسمح القانون بتسويتها تصالحيا.
وتؤكد هذه النتائج أن العدالة التصالحية باتت مكونا متناميا في السياسة الجنائية بالمغرب، بما تتيحه من فرص لتسوية النزاعات وترشيد الموارد القضائية، مع الحفاظ على الضمانات القانونية باعتبارها أساسا لتحقيق العدالة وحماية الحقوق.
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com