معاريف بريس – أخبار وطنية
لم تعد قضية “خيير” مجرد زلة سياسية عابرة يمكن طي صفحتها بالتبريرات الواهية، بل أصبحت اختباراً صارماً وفاضحاً لمنظومة الرقابة الحزبية والمؤسساتية في البلاد، وسقوطاً مدوياً يضع أكثر من علامة استفهام كبرى حول معايير اختيار مسؤولي الشأن العام.
إن استمرار هذا الملف دون فتح تحقيق شامل وجريء يشمل نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، يعد استخفافاً بمشاعر المغاربة وتكريساً لسياسة الإفلات من المحاسبة والمسؤولية.

فكيف لمن يدعي قيادة حزب عريق أن يتغاضى، أو يتواطأ، في إقحام شخصية ذات سوابق في خيانة الأمانة والجرائم الجنائية في قلب المشهد السياسي، ومنحها تزكية مقدسة للترشح للانتخابات التشريعية؟ وكيف أسفر هذا العبث عن حصدها لمقعد برلماني برقم فلكي بلغ 21 ألف صوت، متكئة على غطاء حزبي من المفترض أنه يحمي المؤسسات لا أن يخترقها؟ ولم يتوقف الأمر عند حدود قبة البرلمان، بل تجاوزه إلى منحها رئاسة فريق الوحدة والتعادلية بمجلس النواب، وصولاً إلى الاقتراح الأوقح بتوليها منصباً حكومياً حساساً كوزيرة مكلفة بالتكوين المهني.
أمام هذا التمدد المشبوه، يبرز السؤال الذي يغلي به كل ضمير حي: هل كل هذه الصدف المتتالية والإنجازات السياسية الخارقة جاءت بمحض الحظ، أم أنها نتاج عمل منظم وممنهج لشبكات المصالح التي لا تبالي بسمعة الوطن ولا بقيم النزاهة؟ إن المنطق السليم يؤكد استحالة الصدفة هنا، بل يشي بترتيبات خلف الكواليس أفرغت الديمقراطية من محتواها الأخلاقي.
والأدهى والأمر من ذلك هو التواطؤ الصارخ للمؤسسات الإدارية التي يفترض أن تحمي النسيج المؤسساتي؛ فالترشح للانتخابات البرلمانية يخضع لغربلة دقيقة وبحث معمق، حيث يُلزم المرشحون والمرشحات بتقديم ترشحاتهم عبر الموقع الرسمي للجهات الإدارية المختصة، وتقديم كافة الوثائق والملفات الإدارية والأمنية لمصالح الولاية المعنية.
فأين كانت هذه الفلاتر الصارمة، وأين ذهبت لجان اليقظة والبحث القبلي، حين تسلل إلى قلب المؤسسة التشريعية أشخاص يحملون في سجلاتهم متابعات قضائية وماضياً أسود في خيانة الأمانة والجرائم الجنائية؟ إن هذا التسريب المفضوح يثبت إما عجزاً هيكلياً كارثياً في الأجهزة الرقابية، أو تواطؤاً مقصوداً يسمح لمن لا يمتلكون أخلاق المسؤولية باعتلاء منصات القرار، متناسين أن التمثيلية البرلمانية لا تقل شأناً ولا قيمة عن شغل المناصب الحكومية، بل هي الأساس الذي تبنى عليه شرعية القوانين والتشريعات.
وهنا يتجه الغضب الشعبي المبرر نحو حزب الاستقلال بالذات، الذي طالما تغنى بتاريخه وبنيته التنظيمية الفريدة التي تتميز عن باقي الهيئات السياسية بانتشار مفتشياته المحلية في كل ربوع الوطن،
وهو ما يعني حتماً استحالة ادعاء الجهل بملفات وطبيعة مرشحيه. فكيف لحزب يمتلك هذه الآليات الرقابية القوية أن توجه عنايته واهتمامه فقط نحو سيدة تحوم حولها شبهات السوابق في الخيانة، ليصنع منها نجمة سياسية ووزيرة محتملة، بينما تُهمش الكفاءات النظيفة والوجوه الوطنية الصادقة؟ إن هذا السلوك الحزبي المشين يعكس أزمة أخلاقية عميقة في النخب السياسية التي تبيع الوخز الضميري بثمن بخس، وإن السكوت عن هذا العبث لم يعد مقبولاً، بل إن فتح تحقيق قضائي وإداري شامل وموسع يطال كل من تورط في هندسة هذا الصعود المشبوه بات مطلباً وطنياً عاجلاً لتطهير المؤسسات وإعادة الثقة المفقودة بين المواطن والعمل السياسي.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com