معاريف بريس – آراء ومواقف
بقلم حميد غونو
شهدت ساحة 9 أبريل بطنجة، نهاية الأسبوع الماضي، وقفة احتجاجيةنظمتها بعض “الجماعات السياسية” للمطالبة بإسقاط ” التطبيع ” . ولعلللمكان دلالته الخاصة، فهذه الساحة تستحضر ذكرى خطاب السلطانمحمد الخامس رحمه الله، التاريخي، بطنجة، وما حمله من تطلع إلى الحريةوالاستقلال والوحدة. ومن مفارقات المشهد أن يتحول فضاء تختزن ذاكرتهنضال المغاربة من أجل السيادة إلى منصة يتداخل فيها التضامن المشروعمع فلسطين وتجاذبات السياسة الداخلية، لدرجة تصبح معها نصرة فلسطينمدخلا لمحاكمة اختيارات المغرب، وكأن الوفاء لفلسطين يقتضي وضعالمصالح الوطنية في قفص الاتهام، أو كأن القضية الفلسطينية لم تجد فيالعالم كله خصما سوى الدولة المغربية.
فكيف إذن يصبح إسقاط التطبيع مطلبا يرفع بإلحاح، بينما تتوارى خلفشعارات الوقفة الاحتجاجية أسئلة السيادة والوحدة الترابية، وتغيب عنالمشهد قضايا وطنية لا تقل أهمية في وجدان المغاربة ولا في مستقبلهم.
ليس في التضامن مع فلسطين ما يستدعي الاعتذار، ولا في الدفاع عنحقوق شعبها ما يثير الشك أو الريبة. ففلسطين تسكن وجدان المغاربة منذزمن بعيد، لا باعتبارها شعارا عابرا في موسم سياسي، بل باعتبارها قضيةعدل وكرامة وحق مسلوب. غير أن الفرق شاسع بين من يحمل هذه القضيةإيمانا بها، ومن يتخذها سلاحا في خصومة داخلية، أو جسرا يعبر عليه إلىاستهداف اختيارات بلاده، أو منبرا يمنح من خلاله شهادات الوطنية لمنيوافقونه الرأي، ويحجبها عمن يخالفونه.
عموما، ليس كل من رفع شعار فلسطين قدم لها ما ينفعها، بما في ذلكالأعمال المتهورة التي أقدمت عليها حماس في طوفانها الأقصى، والتيجاءت هذه الجماعات تحتفي به في ذكراه بطنجة، كما أن ليس كل من اختارمسارا دبلوماسيا مختلفا قد تخلى عنها. فبين الشعار والموقف مسافةواسعة، لا تقيسها حناجر الساحات، بل تكشفها حصيلة السياسات، وماتتيحه من إمكانات، وما تفتحه من أبواب، وما تحققه من مكاسب أو تجره منخسائر.
لقد سمع المغرب هذا اللحن من قبل. ففي سنة 1986، حين استقبل المغفور لهجلالة الملك الحسن الثاني شمعون بيريز، ارتفعت أصوات وبيانات من دمشقوطرابلس، وانهمرت الاتهامات، وكأن مجرد فتح نافذة سياسية جريمة لاتغتفر. يومها بدا المشهد شبيها بما نراه اليوم تقريبا، دول لها حساباتهاالخاصة مع المغرب ، وخصومات تتخفى وراء الشعارات، وأصوات تريد أنتجعل من اختلاف التقدير السياسي امتحانا للانتماء العربي.
لم يكن الحسن الثاني معصوما من الخطأ، ولم تكن اختياراته بمنأى عنالنقد والمساءلة، فالدول، مثل الأفراد، تراجع قراراتها وتقاس سياساتها بماتتركه من آثار. لكن الإنصاف يقتضي ألا يمحى تاريخ المغرب في دعمالقضية الفلسطينية بقرار واحد، وألا تختزل علاقته بالقدس في لحظة خلافسياسي. فالتاريخ أوسع من أن تستوعبه لافتة، وأعمق من أن تحسمههتافات عابرة، وكان رد الملك بليغا، كما العادة، في خطاب موجه حينها إلىشعبه.
لقد ظل المغرب، عبر مؤسساته ومواقفه، يعتبر فلسطين قضية ذات مكانةخاصة، وأسهم في دعم الفلسطينيين سياسيا وماديا، واضطلع بأدوارمرتبطة بالدفاع عن فلسطين وعن المدينة المقدسة. وهي صفحات لا تمحىبمجرد الاختلاف مع قرار دبلوماسي، كما لا ينبغي أن تتحول إلى حصانةتمنع نقد قرار أو مساءلة نتائجه.
وحين أعلن المغرب، في دجنبر 2020، استئناف العلاقات مع إسرائيل، بادرجلالة الملك محمد السادس إلى الاتصال بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأطلعه على مضمون اتصاله بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الموضوع، مؤكدا استمرار الموقف المغربي الداعم للقضية الفلسطينية والتمسك بحلالدولتين. كما شدد على أن القضية الفلسطينية تحظى بالمكانة نفسها التيتحظى بها قضية الصحراء المغربية، وأن الدفاع عن مغربية الصحراء لنيكون أبدا على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.
قد يختلف المغاربة حول هذه الخطوة، وقد يرى بعضهم أنها لم تحقق ما كانمأمولا منها، أو أنه كان ينبغي ربطها بشروط أكثر وضوحا، أو توظيفالقنوات الدبلوماسية بصورة أشد فاعلية للدفاع عن الفلسطينيين. وكل ذلكيدخل في صميم النقاش المشروع، فمساءلة السياسات الخارجية وتقييمنتائجها حق ، بل واجب وطني.
لكن ما ليس مشروعا هو أن يتحول الاختلاف إلى محكمة للتخوين، وأنيصبح الموقف من التطبيع المعيار الوحيد لقياس الوطنية، وأن تختزل علاقةالمغاربة بفلسطين في موقفهم من قرار اتخذته دولتهم. فالعلاقات الدبلوماسيةلا تعني بالضرورة الموافقة على سياسات الطرف الآخر، كما أن رفضها لايثبت القدرة على تغيير الواقع أو حماية حقوق الفلسطينيين.
إن السياسة، بالنهاية، عالم تتشابك فيه المصالح، وتتصارع فيه القوى، وتحسب فيه الخطوات على ضوء ما تتيحه من إمكانات وما تفرضه من قيود. وقد تكون بعض الخيارات موضع خلاف عميق، لكن الحكم عليها ينبغي أنيستند إلى الوقائع والنتائج، لا إلى مقدار ما تثيره من تصفيق أو استهجان. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل، ذلك أن بعض الجماعات السياسيةالتي تجعل إسقاط التطبيع عنوانا مركزيا لتحركاتها، لا تمنح القضاياالوطنية المغربية الحضور نفسه في خطابها، وكأن الانتصار لفلسطينيستلزم تعليق بقية الملفات على باب السياسة. وكأن المغرب يستطيع أن يؤجلأسئلة وحدته الترابية وسيادته ومصالحه الاستراتيجية حتى تنتهي معاركالمنطقة، أو حتى يرضى عنه أصحاب الشعارات.
إن للمغرب قضاياه التي لا يجوز أن تتراجع إلى الهامش، كما لفلسطينحقوقها التي لا ينبغي أن تترك للنسيان. ولا تعارض بين الأمرين إلا في عقولمن يرتبون القضايا وفق حاجاتهم السياسية، لا وفق ما تفرضه مسؤوليةالدولة وضمير المجتمع.
ولعل استحضار تجربة إميل حبيبي، الروائي الفلسطيني الذي عاش منداخل فلسطين تعقيدات الهوية والسياسة والانتماء، وتعرض لانتقادات لاذعةمن قبل بعض الأدباء والسياسيين العرب عندما حاز ذات يوم جائزة إسرائيلفي الأدب العربي، يذكرنا بأن القضية الفلسطينية أكبر من أن تختزل فيشعارات جاهزة، وأعمق من أن يحتكر الحديث عنها تيار أو تنظيم، عندما ردعلى منتقديه بأن من يتعرض للسياط بداخل فلسطين ليس كمن يعد ضرباتهامن بعيد ، وكان يقصد منتقديه العرب المخمليون المقيمين بباريز ولندن.
فالفلسطينيون، وهم الذين يدفعون الثمن اليومي للاحتلال، ليسوا بحاجة إلىأوصياء يتحدثون باسمهم من بعيد بقدر حاجتهم إلى مواقف عقلانية تسهمفي حماية حقوقهم، وتخفف معاناتهم، وتمنحهم أفقا سياسيا حقيقيا .
إن نصرة فلسطين لا تكون باحتكار آلام أهلها، ولا بتحويل مأساتهم إلىرصيد في سوق المنافسة السياسية، ولا بالتقليل من شأن من يختلفون معنافي تقدير الوسائل، ما داموا يلتقون معنا في الإيمان بحق الشعبالفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
أما أن تتحول فلسطين إلى مطية لتصفية الحسابات مع الدولة المغربية، فذلكيسيء إلى القضية بقدر ما يسيء إلى الجماعات المذكورة الداعية لهذهالوقفات الاحتجاجية ولأي نقاش وطني، حول الموضوع. فحين تصبح المأساةوسيلة لإدانة الوطن، وحين يستدعى العلم الفلسطيني والكوفية لا للتعبير عنالتضامن فحسب، بل لإقامة محكمة دائمة للنوايا والولاءات، نكون قد ابتعدناعن جوهر القضية، وتركنا الإنسان الفلسطيني في مكانه، بينما انشغلنابمعاركنا الخاصة حوله.
وفي محيط المغرب، لا تنقص الملفات بما يستحق اليقظة والانتباه. ففيالشمال تظل سبتة ومليلية عنوانا من عناوين ملف السيادة الذي لم يجدطريقه بعد إلى الحل، وفي الجنوب تتواصل التحديات المرتبطة بالوحدةالترابية، فيما يثير الدعم الجزائري والإيراني المستمر لجبهة البوليساريوأسئلة جدية بشأن المصالح المغربية وحسابات القوى الإقليمية. إنها قضاياليست تفصيلا عابرا في حياة بلادنا، ولا يمكن مطالبة المغاربة بوضعها جانباكلما ارتفع صوت يطالبهم بإعادة النظر في خياراتهم الخارجية.
فأي معنى للتضامن إذا كان يطلب من المغرب أن ينسى جراحه كي يثبت أنهيشعر بجراح الآخرين؟ وأي عدالة في خطاب يدافع عن حق الفلسطينيين فيأرضهم، ثم لا يمنح القضايا المرتبطة بأرض المغرب وسيادته ما تستحقه مناهتمام؟
ليس المقصود أن تقارن المآسي أو أن توضع القضايا في ميزان تنافسي، فلكل قضية سياقها وتاريخها وخصوصيتها. إنما المقصود أن التضامنالحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يتنكر لوطنه، ولا من الدولة أن تتخلى عنمصالحها، ولا من المجتمع أن يقبل احتكار الوطنية من طرف جماعة ترى فيرؤيتها السياسية المعيار الوحيد للوفاء. فالإيمان بحق شعب في أرضه ينبغيأن يوسع وعينا بحقوق الشعوب، لا أن ينتزع منا القدرة على رؤية قضاياناالوطنية. إن شعار ” المغرب أولاً ” لا يعني أن فلسطين أخيرا، ولا أنالتضامن مع شعبها قابل للتأجيل أو المساومة. معناه أن يكون المغرب قادراعلى الدفاع عن مصالحه، وصيانة وحدته الترابية، وحماية استقلال قراره، وأن يساند القضايا العادلة من موقع الوعي والقوة، لا تحت ضغط الابتزازالسياسي أو الخوف من تهمة جاهزة.
فالمغرب الذي يريد أن يكون سندا لفلسطين لا يحتاج إلى أن يكون خصمالنفسه، والمغاربة الذين يحملون لفلسطين في قلوبهم محبة صادقة لايحتاجون إلى إذن من أحد كي يعبروا عنها، ولا إلى شهادة من تنظيمسياسي كي يثبتوا صدقها. لقد كانت فلسطين حاضرة في وجدان أجدادهموهي حاضرة في وجدانهم أنفسهم قبل أن تتحول إلى مادة للتجاذبالسياسي والحزبي، وستظل حاضرة بعد أن تخفت أصوات المزايداتوينصرف أصحابها إلى معارك أخرى.
لقد ناضل المغاربة من أجل الاستقلال كي يكون لهم وطن يملكون قراره، لاوطنا يملي عليه الآخرون كيف يفكر، ومتى يتحرك، وأي القضايا يحق له أنيدافع عنها. وكان حلم الاستقلال أوسع من مجرد رفع علم فوق أرض محررة، كان حلما بالسيادة والكرامة والقدرة على الاختيار، وبمغرب لا يتنازل عنحقه في تقدير مصالحه، ولا يتخلى عن مسؤوليته تجاه قضايا أمته. فليسعلى المغاربة أن يختاروا بين فلسطين والمغرب، ولا أن يثبتوا حبهم لفلسطينبالتشكيك في ولائهم لبلادهم. فالقلب الذي يتسع للقدس لا يضيق بالمغرب، والوطن الذي يعرف قيمة حريته لا يصعب عليه أن يفهم توق شعب آخر إلىالحرية.
فلسطين قضية عدالة وكرامة، والمغرب قضية انتماء وسيادة ومسؤولية. ولاينبغي أن تستعمل إحداهما لمحو الأخرى، أو أن تصبح إحداهما سلاحا فييد من يريدون إحراج المغاربة في وطنيتهم.
يمكننا أن نختلف حول التطبيع، وأن ننتقد ما نراه خطأ في سياسات الدولة. لكن لا ينبغي أن نسمح بتحويل هذا الاختلاف إلى خصومة مع البلاد، أو بأنتصبح القضية الفلسطينية ستارا تحجب خلفه الأسئلة المتعلقة بمصالحالمغرب ووحدته الترابية.
فلسطين لا تحتاج إلى أن نكره دولتنا كي نحبها، والمغرب لا يحتاج إلى أنيدير ظهره لفلسطين كي يحمي مصالحه. وبين هذين المعنيين تتسع مساحةالموقف المسؤول، تضامن لا يتاجر بالألم، ووطنية لا تحتكر الحقيقة، وسياسةتعرف أن نصرة القضايا العادلة لا تعني التخلي عن حق الوطن في أنيختار طريقه.
فمن حقنا أن نختلف حول التطبيع، لكن ليس من حق أحد أن يجعل منفلسطين مطية للطعن في المغرب. ومن حقنا أن ننحاز إلى فلسطين، لكن منواجبنا أيضا ألا نغفل عن قضايا وطننا. فالأوطان لا تصان بالشعاراتوحدها، والقضايا العادلة لا تنتصر بالمزايدات، والسيادة لا تحفظ بالاعتذارالدائم عن امتلاك قرار مستقل.
ذلك هو التوازن الذي يحتاج إليه المغرب، أن يبقى وفيا لفلسطين، ثابتا فيالدفاع عن وحدته الترابية، متمسكا باستقلال قراره، ومتحررا من كل محاولةلابتزازه باسم قضية عادلة. فليس من الوفاء لفلسطين أن نتنكر للمغرب، وليسمن الوفاء للمغرب أن نتخلى عن فلسطين، إنما الوفاء الحقيقي أن نحملالقضيتين بوعي ومسؤولية، وأن نرفض أن تتحول أي منهما إلى أداة في يدتجار السياسة.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com