معاريف بريس – أخبار وطنية
تتسم الساحة السياسية المغربية بمرونة فائقة تحول خصوم الأمس إلى حلفاء اليوم بمجرد تغير موازين القوى الدستورية والانتخابية. ويعد التحول الجذري في موقف إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تجاه حزب الأصالة والمعاصرة (البام)، تجسيدا حيا لهذه الممارسة التي تمتزج فيها الحسابات النفسية بالبراغماتية المصلحية، حيث أفرز هذا التحول تفاعلات متباينة أعادت ترتيب الأوراق داخل المشهد الحزبي المغربي.
من المقاطعة إلى الشراكة
منذ تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في 2008، كان الخطاب الرسمي لحزب “الوردة” يقف في طليعة المناهضين لظهوره، مستعملا ترسانة مصطلحات مصكوكة. حيث جرى توصيف الحزب الجديد بـ”الوافد الجديد”، واعتبر في تلك المرحلة أداة لـ”التحكم” السياسي ومحاولة للهيمنة على المشهد الحزبي المغربي وتوجيهه، وقطع الطريق على الأحزاب التاريخية.
في تلك الحقبة، كان إدريس لشكر يستند إلى الإرث التاريخي للحزب والنضال الديمقراطي الطويل لبناء جدار ممانعة أيديولوجي وسياسي يمنع أي تقارب أو تنسيق مع “البام”. وظلت القواعد الاتحادية تتغذى على هذا الخطاب الذي يرى في الحزب الوافد نقيضا تاما للمشروع الحداثي التاريخي للاتحاد الاشتراكي، وصناعة فوقية لا تملك امتدادا شعبيا حقيقيا.
إلا أن هذا الجدار الأيديولوجي انهار تماما في أكتوبر 2026، عقب التعيين الملكي للقيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة للحكومة المكلفة بتشكيل الائتلاف الجديد. هذا المتغير الدستوري فرض على لشكر إعادة صياغة مصفوفته السياسية بالكامل، ليتنقل بسرعة قياسية من منطق الخصومة الوجودية إلى منطق التكامل والانسجام التام مع دوائر القرار الجديدة.
وسارع الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إلى طي صفحة الخلاف القديم معلنا ذلك في اجتماع المجلس الوطني للحزب في 10 أكتوبر 2026. حيث اعتبر علنا أن الزمن كفيل بمحو التسميات القديمة، وأن القوة الانتخابية والمؤسساتية التي بات يتمتع بها غريمه الأسبق تفرض واقعا سياسيا جديدا لا يمكن القفز عليه أو تجاهله في هندسة المشهد الحالي، مشددا على أن مصلحة الوطن تقتضي تجاوز معارك الماضي.
تبريرات ومقارنات جدلية
خلال ندوة صحفية عقدت بالرباط على هامش أشغال المجلس الوطني للحزب في 10 أكتوبر 2026، صرح لشكر بصيغة حاسمة تفيد بطي صفحة الماضي: “إن وصف الوافد الجديد لم يعد مناسبا بعد عشرين سنة… ولا أجد أي تناقض في أن يشتغل حزبنا مع رئيسة من هذا الصنف، بل على العكس فهذا الفصيل، الأصالة والمعاصرة، استطاع أن يبني مكانته المحترمة في المشهد الحزبي كشريك حداثي”.
ولم يقف التبرير عند حدود الواقعية السياسية المتعارف عليها، بل تجاوزه إلى توظيف الرموز التاريخية الدينية بشكل فاجأ المتتبعين. حيث استعان لشكر، في لقائه مع برلمانيي حزبه، بمثال من التاريخ الإسلامي مشبهاً تحول موقف حزبه بموقف بعض معارضي الدعوة في عهد الرسول الذين تحولوا لاحقا إلى مدافعين عنها في إشارة غير مباشرة لسيرة عمر بن الخطاب وتغير المواقف بعد فهم المقاصد.
هذا التشبيه الديني أثار زوبعة من الانتقادات السياسية والفكرية الواسعة في الأوساط الثقافية والإعلامية المغربية. حيث هاجمه الباحث إدريس الكنبوري بشدة، معتبرا هذا الصنيع توظيفا فجا للدين من أجل مكاسب سلطوية وتغطية مكشوفة على التناقضات المبدئية التي سقطت فيها القيادة الحزبية الحالية، والقفز على التباين الفكري الشاسع بين الحزبين.
وقد دافع لشكر عن هذا الانعطاف الفكري بربطه برئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري، معتبرا أن التعيين الملكي لها بمثابة “تعيين لامرأة اتحادية” في العمق. هذا التوصيف العاطفي والسياسي المبتكر هدف إلى تقليص المسافة النفسية بين القواعد الاتحادية وبين قيادة “البام”، وتصوير التحالف كأنه عودة إلى المشترك الحداثي والدفاع عن قضايا المرأة والمساواة.
ومع ذلك، يرى المحللون أن هذا الخطاب التبريري المفرط يعكس رغبة في صناعة شرعية موازية تسوغ التنازل عن الأدبيات النقدية السابقة للحزب. فالانتقال من الهجوم الحاد إلى المديح السياسي يكشف عن هندسة خطابية مرنة تضع التموقع الحكومي فوق أي اعتبارات فكرية أو تاريخية جامدة، وتصنع إطارا نظريا جديدا يستوعب البراغماتية السياسية المفروضة.
سيكولوجيا القيادة والتموقع
يكشف تفكيك الخطاب الأخير لإدريس لشكر عن “بنية نفسية” مرنة للغاية، تبرع في تبرير الانعطافات الحادة وإلغاء المسافات بين المتناقضات. فالزعيم يمتلك قدرة واضحة على إنكار التناقض السياسي، معتبرا أن التحولات هي جوهر العمل السياسي الديناميكي، مما يحميه داخليا من الشعور بالارتداد عن المبادئ، ويصنف الخطوة كذكاء سياسي.
وتبرز في هذه الممارسة السيكولوجية عقدة الاندماج في السلطة كعنصر محرك للعمل الحزبي؛ حيث ينظر إلى مقاعد المعارضة برهاب شديد باعتبارها عزلة وتهميشاً غير مرغوب فيه يؤدي إلى جفاف منابع الدعم. في المقابل، يمثل “الاستوزار” والمشاركة التنفيذية صك الاعتراف الفعلي بالوزن السياسي ونوعاً من الأمان المؤسساتي للقيادة الحزبية.
وعندما تضعف القواعد الانتخابية للحزب أو تتراجع نتائجه في صناديق الاقتراع, تتدخل هذه البنية النفسية للبحث عن شرعية بديلة عبر التوافقات الفوقية والخطاب الدبلوماسي المرن. فالهدف يصبح تعويض النقص في الامتداد الشعبي بالتقرب من مراكز القرار وصناعة تحالفات تضمن البقاء في الواجهة السياسية رغما عن لغة الأرقام المحدودة في البرلمان.
لهذا، صادق المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي بالإجماع على قرار المشاركة في الحكومة المقبلة بقيادة المنصوري، وفوض لشكر رسميا لتدبير مشاورات تشكيل الأغلبية والبرنامج الحكومي. هذا التفويض المطلق يعكس سيطرة سيكولوجيا الزعيم على الأجهزة التقريرية للحزب، وتوجيهها نحو خياره البراغماتي بيسر ودون معارضة تذكر داخل القاعة.
وتظهر تصريحات لشكر المستجدة نوعا من النرجسية التنظيمية التي تحاول فرض شروط معنوية على التحالف، عبر الإصرار على أن الاتحاد الاشتراكي لا يدخل الحكومة تابعا بل شريكا وانا وصانعا للسياسات العمومية. وهي مناورة نفسية لرفع القيمة التفاوضية للحزب أمام الأغلبية الحكومية المفترضة، وإعطاء القواعد إيحاء بالندية.
رهان المكاسب
على الرغم من تأكيد لشكر المتكرر في تصريحاته الصحفية لوسائل إعلامية بأن الحزب يرفض منطق توزيع الغنائم الوزارية، قائلاً: “قرارنا ينطلق من ثوابت الخطاب الملكي… والوطن اليوم غير محتاج لتحالف عددي بل لحكومة سياسية قوية، وقيمة مشاركتنا تقاس بمدى المساهمة في إعداد السياسات العمومية والتنمية العادلة”. إلا أن واقع الحال يظهر غير ذلك.
فالقراءة الواقعية للمشهد تظهر أن المصلحة التنظيمية المباشرة هي المحرك الأساسي؛ فالانضمام إلى حكومة المنصوري يضمن للاتحاد الاشتراكي حماية التنظيم من التآكل والتشظي. البقاء الطويل في المعارضة يضعف الجاذبية السياسية للحزب أمام أطره وأعيانه الانتخابيين الذين يتغذون على القرب من الإدارة ومراكز النفوذ، ويخشون سنوات العجاف.
وتشير كواليس المشاورات الحالية إلى تطلع الحزب للحصول على حقائب وزارية حيوية؛ وذلك لترجمة وعوده الانتخابية واحتواء كوادره الطامحة. إن رهان الحقائب يظل المحك الحقيقي لقياس نجاح المفاوضات بعيداً عن الشعارات المرفوعة حول البرامج والسياسات الكبرى للبلاد.
كما يتيح هذا التحالف مع الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال إعادة تموقع الاتحاد الاشتراكي كقوة وسطى وازنة وميزان ترجيح داخل الأغلبية. هذا التموقع يمنح “الوردة” دورا محوريا يفوق حجمها العددي الفعلي في البرلمان، ويجعل منها رقماً صعباً لا يمكن تقاطعه في القرارات التشريعية والتنفيذية الكبرى، ويضمن لها الحضور الإستراتيجي.
إن رحلة إدريس لشكر من تكييف “الأصالة والمعاصرة” كخطر يهدد الديمقراطية بالأمس، إلى استقبال رئيسة حكومته كشريك حداثي اليوم، تبرهن على أن العواطف والشعارات في الممارسة الحزبية ليست سوى أدوات مرحلية للتعبئة. فالغاية الأسمى تظل هي التموقع في مراكز القرار، ولو تطلب الأمر تدوير الزوايا السياسية الحادة وإعادة قراءة التاريخ بفتوى براغماتية متجددة تخدم هندسة المصلحة الحزبية والشخصية للقيادة.
مواقف وردود أفعال داخلية
ولم يمر هذا الانعطاف الحاد دون أن يثير زلزالاً من ردود الأفعال العنيفة والمتباينة داخل البيت الداخلي لحزب الاتحاد الاشتراكي. فقد قوبل قرار التقارب مع الأصالة والمعاصرة بغضب عارم من طرف تيار “الوفاء للمبادئ” والقيادات التاريخية الغائبة عن الهياكل الحالية، والذين اعتبروا الخطوة بمثابة “انتحار أيديولوجي وسياسي” يطمس الهوية النضالية للحزب الحداثي.
في المقابل، انتفض الجناح البراغماتي داخل الحزب والمقرب من دائرة لشكر للدفاع المستميت عن هذا التوجه، مبررين الموقف بأنه “واقعية سياسية فرضتها اللحظة التاريخية”. واعتبر هذا تيار أن قيادة الحكومة من طرف امرأة ذات خلفية فكرية حداثية كفاطمة الزهراء المنصوري يتقاطع في الكثير من النقاط مع التوجهات الاجتماعية للاتحاد الاشتراكي، وأن مقاطعة الحكومة تعني الحكم على الحزب بالموت البطيء.
لكن القواعد الشابة والعديد من الأطر الحزبية عبرت في نقاشاتها الداخلية عن ارتباك شديد وصعوبة في هضم هذا التحول؛ إذ كيف يمكن إقناع الناخبين بالتحالف مع حزب كان بالأمس القريب يوصف بـ “التحكم” و”الوافد الهجين”. هذا الانقسام الصامت يهدد بتعميق الهوة بين القيادة التنفيذية والقواعد، وسط مخاوف من نزيف استقالات جديد قد يعصف بما تبقى من تماسك تنظيمي.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن إدريس لشكر قد حسم خياره مستنداً إلى التفويض العام للمجلس الوطني، مفضلا براغماتية التموقع في التدبير الحكومي على حساب نقاء الخطاب الأيديولوجي. لتبقى الأيام المقبلة، وتفاصيل توزيع الحقائب الوزارية، المحك الحقيقي الذي سيكشف ما إذا كان هذا التحالف طوق نجاة للحزب، أم فصلاً جديداً من فصول التراجع الفكري والتنظيمي لقلعة القوات الشعبية.
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com