معاريف بريس – أخبر وطنية
*بقلم: محمد المنصوري*
*كنت اظن وظنى خطأ*
لم يعد الحديث عن الفوارق الطبقية في المغرب مجرد ترف سوسيولوجي أو تشخيص لخلل عابر، بل أصبح حقيقة بنيوية صادمة تكشف غيابا تاما للإرادة السياسية في ردم الهوة. نحن اليوم أمام هندسة اجتماعية واعية تكرس وجود عالمين منفصلين لا يلتقيان: عالم النخبة التي تحتكر الثروة والسلطة والقرار، وعالم المهمشين الذين يُراد لهم البقاء في دائرة استهلاك المسكنات والمهدئات السياسية والاجتماعية لضمان استمرار الوضع القائم.
*أولا: العقيدة الحاكمة “جوّع كلبك يتبعك”*
إن الشرخ الحالي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج خيارات واعية ومدروسة. فخلف الشعارات البراقة لـ”النموذج التنموي الجديد” و”الدولة الاجتماعية”، تطل عقلية متجذرة لدى النخبة الاحتكارية، عقيدة صامتة وغير معلنة لكنها تمارس بامتياز، تختزلها المقولة البائدة: “جوّع كلبك يتبعك”.
إن الإبقاء على الفئات الهشة في حالة ركض دائم وراء لقمة العيش، يضمن تحويل المواطن من شريك في الوطن إلى مجرد تابع يبحث عن البقاء. هنا تتحول الحاجة إلى أداة للضبط والتحكم الاجتماعي، حيث تُستبدل الحقوق الدستورية بمكرمات ومساعدات ظرفية توزع لامتصاص الغضب، دون المساس أبدا بجوهر احتكار الثروة والريع.
*ثانيا: التعليم.. من مصعد اجتماعي إلى أداة فرز طبقي*
يتجلى غياب إرادة التغيير بوضوح فاضح في ملف التعليم. لقد تحولت المنظومة من مصعد اجتماعي إلى أداة للفرز الطبقي وإعادة إنتاج نفس النخبة.
نحن أمام تعليمين:
– *تعليم النخبة:* مدارس البعثات الأجنبية ومعاهد خاصة دولية باهظة التكاليف، تخرّج أبناء الطبقة الميسورة ليتسلموا مفاصل الاقتصاد ومناصب القرار.
– *تعليم الهامش:* مدرسة عمومية منهكة، تعاني من ضعف التمويل وتخبط البرامج والارتجالية، تنتج أفواجا من المعطلين أو اليد العاملة الرخيصة الموجهة لخدمة مشاريع النخبة.
هذا الفصل المتعمد في جودة التعليم هو الذي يضمن بقاء “أبناء الهامش في الهامش”، ويغلق الباب نهائيا أمام أي حلم بحراك اجتماعي حقيقي.
*ثالثا: ملف الماء.. حين يدفع الفقير ضريبة رفاهية الغني*
جاءت أزمة الجفاف والإجهاد المائي لتعرّي هذا التفاوت الصارخ بشكل لا يقبل الجدل. فبينما يضرب الجفاف الهيكلي المغرب العميق في مقتل، مدمرا الزراعات المعيشية للفلاح البسيط ومتسببا في جفاف الآبار وتهجير قسري لساكنة القرى، تتجه السياسات العمومية والموارد المائية لدعم قطاعات تخدم النخبة والأسواق الخارجية.
مفارقة سريالية: يتم توجيه الفرشة المائية والموارد النادرة لسقي الضيعات الكبرى الموجهة للتصدير من فواكه مستنزفة للماء كالأفوكادو والبطيخ الأحمر، وتوفير آلاف الأطنان من الماء لملاعب الغولف والمسابح والمنتجعات السياحية في حواضر النخبة، بينما يموت عطشا سكان الجبال والقرى.
إن “المغرب غير النافع” يدفع اليوم حرفيا ضريبة العطش لكي تراكم نخب “المغرب النافع” أرباحها بالعملة الصعبة.
*الخلاصة: الاستقرار المبني على المهدئات لن يدوم*
إن الاستمرار في إدارة الأزمة عبر مهدئات اجتماعية والرهان على صبر المهمشين هو رهان محفوف بالمخاطر. الاستقرار الحقيقي لا يبنى بتدوير الفقر وإعادة إنتاجه، بل بالقطع الجذري مع اقتصاد الريع وامتيازات النخبة.
لا عدالة شاملة ولا تنمية مستدامة دون إقرار ديمقراطية اقتصادية حقيقية، تجعل من الهامش قلبا نابضا للتنمية، لا مجرد رقم في معادلات الضبط السلوكي والانتخابي.
إن الوطن لا يمكن أن يستمر بنصفين منفصلين إلى الأبد. ..
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com