معاريف بريس – أخبار وطنية
تشكل قضية أسعار المحروقات في المغرب واختلاط المال بالسلطة واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل في المشهد السياسي والاقتصادي الراهن. يطرح هذا الوضع تساؤلات حارقة حول انحياز الحكومة المرتقب، وما إذا كانت ستعطي الأولوية لحماية مصالح كبرى شركات توزيع الوقود، وفي مقدمتها الشركات المرتبطة برئيس الحكومة عزيز أخنوش، أم أنها ستنتصر للقوة الشرائية للمواطنين عبر تفعيل رقابة صارمة وشفافة تضع حدا لهوامش الربح القياسية.
من المرجح أن تجد الحكومة نفسها محاصرة بين منطقين متعارضين؛ منطق الأغلبية الحكومية والتحالفات الحزبية التي تقودها شخصيات وازنة مثل السيدة فاطمة المنصوري، ومنطق الشارع والواقع الاجتماعي المأزوم. فمن جهة، يدافع المدافعون عن حرية الأسعار والفاعلين الاقتصاديين عن كون هذه الزيادات مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتقلبات الظرفية في أسواق الطاقة العالمية، مستشهدين بارتفاع الأسعار في دول أوروبية متقدمة كفرنسا. غير أن هذا المبرر يصطدم بخلل بنيوي واجتماعي صارخ يتمثل في الفجوة الهائلة بين مستويات الدخل والأجور؛ فالحد الأدنى للأجور في فرنسا لا يمكن مقارنته بأي حال من الأحوال بنظيره في المغرب، فضلا عن ضعف شبكات الأمان الاجتماعي وهشاشة الطبقات المتوسطة والفقيرة.
إن الانعكاسات المباشرة للارتفاع المهول في لتر الغازوال والبنزين لا تقتصر على جيوب المستهلكين فحسب، بل تمتد لتضرب في عمق النسيج الاقتصادي والإنتاجي. فارتفاع تكلفة الوقود يثقل كاهل الفلاحين الصغار ويرفع من تكلفة النقل واللوجستيك، مما ينعكس سلبيا على أسعار المنتوجات الفلاحية والأساسية، ويخلق موجة غلاء تلتهم ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطن البسيط، وتهدد بدخول الأسواق حالة من الفوضى والعشوائية. وفي ظل هذا الضغط، تصبح مطالب فرض المراقبة المستمرة، والقطع مع المضاربات، وإعادة إحياء أدوار لجان التتبع والمنافسة، أمرا مصيريا لا محيد عنه.
يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة هو مدى قدرتها على الفصل بين المصالح السياسية والتجارية الضيقة والمصلحة العليا للوطن. فالتاريخ القريب للأسعار يثبت أن غياب الرقابة الفعالة يفسح المجال لتحقيق أرباح فاحشة على حساب السلم الاجتماعي. وبالتالي، فإن الرهان اليوم ليس فقط على تبرير الغلاء بالظروف الدولية، بل على إرادة سياسية حقيقية توازن بين تشجيع الاستثمار وضمان استمرارية المقاولات من جهة، وحماية القدرة الشرائية للمغاربة من جهة أخرى، لئلا يتحول المواطن وحده إلى الحلقة الأضعف التي تؤدي فاتورة الأزمات.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com