معاريف بريس – أخبار وطنية
يشكل قرار حزب العدالة والتنمية بالاصطفاف في المعارضة في هذه المرحلة السياسية خطوة إستراتيجية مدروسة تعكس رغبة القيادة الحالية، بقيادة عبد الإله بنكيران، في إعادة ترتيب البيت الداخلي واستباق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
فبعد النكسة الانتخابية القاسية التي مني بها الحزب في اقتراع الثامن من شتنبر 2021 وما رافقها من تراجع شعبي وسياسي في عهد الأمين العام السابق سعد الدين العثماني، يراهن الحزب اليوم على موقع المعارضة كحضن آمن لالتقاط الأنفاس واستعادة التوازن التنظيمي والنفسي بعيداً عن إكراهات تدبير الشأن الحكومي التي استنزفت رصيده لسنوات.
ويستند رهان بنكيران الأساسي على قراءة خاصة للمشهد الانتخابي مفادها أن الحزب ما زال يحتفظ بنواة صلبة من القاعدة الانتخابية، فضلاً عن المراهنة على تواصل ما يسمى بالتصويت العقابي ضد الأغلبية الحكومية الحالية بفعل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وعليه، يعتبر الحزب أن البقاء في المعارضة يمنحه مساحة كافية لضبط النفس ومراقبة الأداء الحكومي عن قرب، تمهيداً للعودة بقوة للمنافسة على تصدر المشهد في الانتخابات التشريعية أو استحقاقات الجماعات الترابية، مستغلاً في ذلك قدرته المعهودة على التعبئة وخطابه الموجه للطبقات المتضررة.
إلى جانب البعد الانتخابي، يفتح موقع المعارضة أفقاً مؤسساتياً مهماً أمام العدالة والتنمية، تتمثل في إمكانية تفعيل الآليات الرقابية الدستورية القوية التي تتيحها المعارضة البرلمانية، مثل لجان تقصي الحقائق أو ملتمسات الرقابة.
ويدرك الحزب أن هذا الموقع يمنحه هامش مناورة أوسع للتحالف والتنسيق مع أحزاب أخرى في صف المعارضة مثل حزب التقدم والاشتراكية أو قوى اليسار كحزب الاشتراكي الموحد، وهي أحزاب قد تجد نفسها مضطرة للتخندق مع العدالة والتنمية بحثاً عن تقوية مواقعها الانتخابية وتضخيم صوتها الرقابي داخل قبة البرلمان.
غير أن تطلعات العدالة والتنمية لتصدر المشهد مجدداً تصطدم بضرورة موضوعية يفرضها الرأي العام والشارع السياسي، والتي تتمثل في أنه لتلجيم أي محاولة لاستغلال ورقة المعارضة بشكل شعبوي، وجعل مختلف الفاعلين السياسيين في موقعهم الحقيقي ومساءلتهم بموضوعية، لا بد من التنزيل الصارم للبند الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة في حق كافة المسؤولين، أكانوا في الحكومة الحالية أم في البرلمان بغرفتيه، بما يشمل حتى مسؤولي التدبير السابقين. فهذا المبدأ الدستوري هو الكفيل بفرز العمل السياسي الحقيقي عن المزايدات، وضمان ألا تحجب صفة المعارضة أو الموالاة التقييم الحقيقي للأداء والتدبير.
وبذلك يبقى العدالة والتنمية مرهوناً بقدرته على إقناع المواطنين بصفحة جديدة، في معادلة تتقاطع فيها حسابات الحزب التنظيمية مع متطلبات الرقابة الدستورية الصارمة ومحاسبة الجميع دون استثناء.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com