صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

جمهورية “الريفي” في أحشاء “الغابة 33”: سقوط “الإمارة السرية” للمخدرات بين المحمدية وبوزنيقة

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

لم تكن “الغابة 33” بجماعة المنصورية مجرد غطاء نباتي كثيف يزين الطريق الرابط بين العاصمتين الإدارية الرباط والاقتصادية الدار البيضاء، بل كانت عبر التاريخ القريب رئة خضراء ومتنفسا طبيعيا للمنطقة. لكن خلف هذا الستار البيئي الهادئ، كانت تنمو في صمت واحدة من أخطر بؤر الجريمة المنظمة وتصفية الحسابات في محور الشاوية-زيان.

ولم يكن العثور المتزامن على جثتي شابين ينحدران من المحمدية، تظهر عليهما آثار تعذيب سادي وتنكيل وحشي وصل إلى بتر أطرافهما، إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، لتبدأ أضخم عملية تمشيط أمني شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.

عبقرية الجغرافيا الإجرامية

لم يختر بارون المخدرات المعروف بلقب “الريفي” وعصابته هذا الفضاء الغابوي بمحض الصدفة. فالغابة تتمتع بموقع جيواستراتيجي فريد؛ إذ تقع على مقربة من شبكة الطرق السيار والمسالك الساحلية والجهوية التي تربط بين حواضر المحمدية، بوزنيقة، وبنسليمان.

هذه الجغرافيا المعقدة منحت الشبكة الإجرامية مرونة فائقة في التحرك واللوجستيك؛ حيث كان بإمكان المروجين استقبال “الزبائن” والموزعين من مختلف المدن المجاورة، وتأمين قنوات إمداد سريعة للممنوعات، ثم الاختفاء بسرعة في ثوان معدودة داخل أحراش كثيفة ومسالك وعرة يصعب على الدوريات الأمنية العادية رصدها أو اختراقها بالوسائل التقليدية.

دولة الأوكار

الحصيلة المؤقتة والمحجوزات التي وضعت مصالح الدرك الملكي والقوات المساعدة يدها عليها تكشف أننا لسنا أمام تجار تقسيط أو “بزناسة” معزولين، بل أمام “منظومة شبه عسكرية” لإدارة الممنوعات.

ففي الجانب اللوجستي والميداني، عثرت السلطات على “جمهورية عشوائية” كاملة الأركان تتكون من أكواخ سرية مبنية بالأخشاب وأغصان الأشجار الكثيفة لحجب الرؤية، وخيام بلاستيكية مجهزة بالكامل ومحصنة بوسائل عيش ومعدات طبخ وقنينات غاز لضمان البقاء لفترات طويلة داخل الأدغال دون الحاجة للخروج.

وداخل هذه الأوكار، كانت الموازين الإلكترونية الدقيقة تشتغل لتقسيط ووزن كميات ضخمة من مخدر “الكيف” وصفائح “الشيرا” (الحشيش) المعدة للتوزيع على الصعيد الوطني.

ولحماية هذه الإمبراطورية، كانت العصابة تتوفر على ترسانة من الأسلحة شملت بندقية صيد متطورة مزودة بمنظار بصري دقيق لتأمين محيط الغابة وقنص المخترقين، وكميات من الذخيرة الحية والخراطيش، إلى جانب سواطير وسكاكين كبيرة الحجم استخدمت في تصفية الحسابات الدموية.

كما حجزت المصالح الأمنية سيارات مسروقة ومبحوث عنها (من بينها سيارة تحمل آثار دماء على لوحة ترقيمها) ودراجات نارية متروكة وأخرى محترقة، تم التخلص منها بعد استخدامها في عمليات التنقل والتوزيع.

الاحتجاز، الإدمان، والضحايا الصامتون

لم تقتصر فظاعة غابة 33 على ترويج المخدرات أو القتل البشع للشابين اللذين يعتقد أن تصفية حسابهما تعود لخلافات بين شبكات الاتجار والترويج، بل امتدت المأساة لتكشف عن واقع إنساني مفجع بطلاته “ضحايا صامتات”.

فقد كشفت عمليات المداهمة عن العثور على فتيات وشابات في مقتبل العمر يعشن بداخل تلك الخيام والأكواخ في وضعيات نفسية واجتماعية مزرية وقاسية جداً، كنّ تحت تأثير الإدمان الحاد والاحتجاز غير المباشر، ويتم استغلالهن من طرف أفراد العصابة، وهو ما يفتح ملفا شائكا يرتبط بالاستغلال البشري والاتجار بالبشر في الفضاءات الهامشية.

“غابات المغرب 2030” وغابات بارونات المخدرات

أمام هذا التغول الإجرامي، يجد المواطن نفسه يطرح السؤال الحارق: لمن تخضع سلطة هذه الغابات في المغرب أصلا؟ من الناحية القانونية والهيكلية، تقع هذه المساحات الخضراء الشاسعة تحت وصاية “الوكالة الوطنية للمياه والغابات”، وهي المؤسسة التي يُفترض أن حراسها يمتلكون الصفة الضبطية لحماية الشجر والحجر والحيوان من التخريب والترامي والانتهاك.

لكن المفارقة المضحكة المبكية تتبدى عندما نضع واقع “الغابة 33” على طاولة المشاريع والشعارات الرنانة. فبينما تسوق الوكالة بانتشاء بليغ مخرجات الإستراتيجية الوطنية الطموحة “غابات المغرب 2030” – التي تعدنا بتحويل الفضاءات الغابوية إلى واحات ترفيهية مستدامة، ومجالات حيوية مدرة للدخل، وتصالح شامل بين الساكنة ومحيطها البيئي عبر مقاربات تشاركية حديثة – يبدو أن بارون المخدرات “الريفي” كان أول من بادر، بفهم “خاص جداً”، لتطبيق هذا البرنامج على أرض الواقع!

لقد نجحت شبكته، في غفلة من مخططات “غابات 2030″، في إرساء “مقاربة تشاركية” فريدة من نوعها، دمجت بين الترفيه (عبر ترويج الحشيش والكحول)، وإدرار الدخل (على ظهر الضحايا)، بل وخلقت مجالا غابويا حيويا تحميه بنادق السنايبر عوض كاميرات المراقبة الرقمية الموعودة في الكتيبات الفاخرة للوكالة.

إن هذا البون الشاسع بين الورق الحكومي الوردي ومستنقع الواقع الأسود يوضح بكثير من التهكم كيف تنسلخ مساحات استراتيجية تقع بين أكبر حواضر المملكة من سلطة الدولة، لتصبح خاضعة بالكامل لسلطة العصابات، بانتظار “جرافات” اللحظات الأخيرة لتدارك ما عجزت عن حمايته الإستراتيجيات الورقية ذات الآفاق البعيدة.

ما بعد التمشيط

رغم النجاح الأمني السريع للمركز القضائي للدرك الملكي ببوزنيقة في تطويق الغابة، وتوقيف عدد من المشتبه فيهم الرئيسيين (من أفراد عصابة “الريفي” الفار)، فإن المقاربة الميدانية الحالية التي اعتمدت على استخدام الجرافات وأطنان من الأتربة لإغلاق كافة المسالك والمنافذ المؤدية إلى الغابة، تظل حلا مؤقتا يطرح سؤال الاستدامة.

إن هذه النازلة تدق ناقوس الخطر حول ضرورة إعادة النظر في تسيير وتأمين الغابات المحاذية للمحاور الحضرية الكبرى بالمغرب. وتحويل “الغابة 33” من نقطة سوداء تصدر الرعب والممنوعات إلى منتزهات عمومية محروسة، ومضاءة، ومجهزة بكاميرات مراقبة وتكثيف استخدام الطائرات المسيرة (الدرون) للمسح الجوي المستمر، بات ضرورة ملحة.

إن الأمر لا يتعلق فقط بمطاردة بارون مخدرات فار، بل باستعادة فضاء استراتيجي عام واختطافه من مخالب الجريمة المنظمة ليعود رئة خضراء آمنة للمواطنين.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

شاهد أيضا

شاهد أيضا

footer ads

footer ads