صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

جدل الذاكرة والتاريخ السياسي بالمغرب: قراءة في اتهامات درب مولاي الشريف ودفاعات الحقيقة التاريخية

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

تشكل مرحلة سنوات الرصاص في الذاكرة السياسية المغربية جرحاً نرجسياً وفضاءً ملتبساً تتداخل فيه تقاطعات الحقيقة التاريخية، والروايات الشفوية، والصراعات السياسية الآلية.

وفي هذا السياق، يبرز اسم محمود عرشان كواحد من الأسماء التي طالما أثارت الجدل في النقاش العمومي المرتبط بتلك الحقبة، لا سيما حين ترتبط الأسماء بمعتقل درب مولاي الشريف سيء الصيت.

يأتي الخطاب المدافع لنفي أي صلة لمحمود عرشان بهذا المعتقل استناداً إلى شهادات معتقلي مجموعة أبراهام السرفاتي، وتقارير هيئة الإنصاف والمصالحة، وشهادات شخصيات وازنة عاصرت تلك الفترة، ليطرح إشكاليات عميقة حول كيفية بناء الذاكرة، وحدود توظيف التاريخ في الصراعات السياسية الراهنة، لا سيما في مواجهة ما يُعتبر إشاعات تروجها أطراف معينة مثل جماعة النهج الديمقراطي أو عبر وسائط إعلامية حديثة كقضية الرسالة الافتراضية التي تبناها الصحفي حميد المهداوي منسوبة لجمال بنعمر.

تستند القاعدة الصلبة في الدفاع عن براءة محمود عرشان من تهم التعذيب في درب مولاي الشريف إلى الغياب التام لأي ذكر لاسمه في الأدبيات الحقوقية والشهادات الحية لضحايا تلك المرحلة؛ فأدبيات معتقلي مجموعة أبراهام السرفاتي تُعرف بتوثيقهم الدقيق لظروف الاعتقال والمسؤولين عن التعذيب، ورغم قسوة تجاربهم، خلت مذكراتهم وشهاداتهم نهائياً من أي إشارة لوجود محمود عرشان أو تورطه في تلك الممارسات.
كما أن تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة مثلت أعلى سياق مؤسساتي رسمي للبحث عن الحقيقة وجبر الضرر والإنصاف، وقد قامت بتمحيص آلاف الملفات والشهادات حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولم ترد في تقاريرها الختامية أي إدانة أو ربط لاسم عرشان بتلك المعتقلات، مما يُعتبر قرينة تاريخية ومؤسساتية قوية.

ويعتمد الجدل السياسي والتاريخي على الشهادات الشفوية لمن عايشوا الحقبة، حيث يُبرز الدفاع شهادات لشخصيات وازنة عايشت تلك المرحلة الحساسة، مثل شهادة الراحل إدريس بنزكري، رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة، الذي يُنسب إليه اعتراف ضمني ومباشر لمحمود عرشان بأنه لم يكن بدرب مولاي الشريف، وهو ما يضفي وزناً حقوقياً ومؤسساتياً خاصة بالنظر إلى الاعتبارات الاعتبارية لبنزكري.
يضاف إلى ذلك مواقف المعاصرين كالشاوي، وحرزني، ومحجوب أيت غنو، والراحل عبد الفتاح فاكيهاني، الذين تجنبوا الخوض في مزايدات الماضي، حيث يُفسر هذا التحفظ في السياق النفسي والسياسي بأنه رفض للمتاجرة بآلام الماضي أو ترويج لاتهامات لا أساس لها من الصحة.

وفي مقابل صمت التاريخ الرسمي والشهادات الحية، يبرز العامل الإعلامي الرقمي والتوظيف السياسي المعاصر كعناصر تأجيج جديدة؛ إذ إن استناد صحفيين أو فاعلين إعلاميين، او متطفلين على الحقل الحقوقي مثل حميد المهداوي إلى رسائل افتراضية أو مصادر غير موثقة بدقة لنسبة وقائع لشخصيات معينة، يطرح إشكالية أخلاقية خطيرة.

محمود عرشان

 

فالرسائل الافتراضية التي تسقط سياقات التاريخ أو تُبنى على تأويلات سياسية تهدف غالباً إلى تسليط الضوء على شخصيات بعينها لأغراض آنية، بغض النظر عن متانة الحقيقة التاريخية.

كما يشير التحليل إلى أن استمرار ترويج هذه المزاعم يقف خلفه فاعلون سياسيون محددون مثل مناضلي النهج الديمقراطي، ممن يتبنون إيديولوجيا تجعل من استهداف رموز الدولة جزءاً من معترك سياسي مستمر تتحول فيه الذاكرة التاريخية إلى أداة صراع أيديولوجي.

يؤكد هذا الجدل أن التعامل مع سنوات الرصاص يقتصر أحياناً على منطق التوظيف السياسي الآني عوض الركون إلى المنهج العلمي والتاريخي السليم.

إن إقحام أسماء بمعزل عن الأدلة الوثائقية والشهادات القضائية أو الحقوقية الموثقة يفرغ مسار المصالحة من محتواه، ويحول الذاكرة الجماعية إلى حلبة لتصفية الحسابات.

بناءً عليه، يظل الاحتكام إلى وثائق هيئة الإنصاف والمصالحة، والتحري الدقيق في المصادر الإعلامية، وحماية التاريخ من عبث التوظيف السياسي، شروطاً أساسية لصيانة العدالة التاريخية والكرامة الإنسانية لكل الأطراف.

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

شاهد أيضا

شاهد أيضا

footer ads

footer ads