معاريف بريس – أخبار وطنية
تشكل المحطات الانتخابية في المسار الديمقراطي مفترق طرق حاسماً لإعادة ترتيب أوراق المشهد السياسي، غير أن الاستحقاقات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 حملت في طياتها دلالات رمزية وسياسية عميقة تجاوزت في أبعادها أرقام لوائح الانتخابات ومقاعد البرلمان، لتلامس جوهر الهوية الحزبية والتاريخ النضالي للعائلة الاتحادية واليسارية برمتها.
وفي هذا السياق الملتهب بالنتائج والنكسات، برز التنافس المحتدم والنقاش العميق حول قدرة المكونات اليسارية على تمثل روح العصر وتطلعات الشارع، حيث أفرزت صناديق الاقتراع مشهداً أعاد إلى الواجهة نقاش الجذور والمآلات، خصوصاً فيما يتعلق بالدور الذي يلعبه اليسار الاشتراكي الموحد في إعادة كتابة المشهد أو التعاطي مع إرث حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة إدريس لشكر.
لقد جاءت هذه النكسة الانتخابية لتسلط الضوء على أزمة عميقة تعاني منها الممارسة الحزبية التقليدية المرتبطة بالاتحاد، والتي طالما استندت إلى رصيد تاريخي نضالي ومحطات كبرى بصمت تاريخ المغرب الحديث، لكنها اصطدمت اليوم بواقع انتخابي متغير وبخطاب شعبي وساخط يبحث عن النجاعة والارتباط الميداني الحقيقي.
فاليسار، بصيغه المتعددة وتياراته المختلفة وخصوصاً تلك المتمثلة في اليسار الاشتراكي الموحد، يجد نفسه أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا تتعلق فقط بحصد المقاعد، بل بمدى قدرته على تقديم بديل سياسي وثقافي يملأ الفراغ ويستعيد الثقة المفقودة في العمل الحزبي. إن محاولة فهم ما جري يوم 23 شتنبر 2026 لا يمكن أن تنفصل عن قراءة مسار طويل من التباعد المستمر بين القيادات الحزبية التقليدية والنبض الحي للشارع المغربي، حيث بدا الاتحاد الاشتراكي في محطة شتنبر وكأنه يدفع ثمن تدبير تنظيمي وسياسي راكم الكثير من التشققات، ما جعل “اليسار الموحد” وباقي قوى الصف الديمقراطي تظهر في موقع المختلف الذي يسعى لبلورة هوية مغايرة، ولو وسط إكراهات نظام انتخابي معقد ومشهد سياسي محكوم بالتوازنات البراغماتية.
إن هذا الوضع يضع التاريخ الاتحادي العريق، الممتعض أصلاً من مسار الانخراط في تدبير شأن عمومي بلا أفق استراتيجي وازن، أمام محك الإماتة أو الانبعاث، خصوصاً حين يُنظر إلى عجز القيادة الحالية عن حماية هذا الإرث من التآكل الانتخابي والسياسي. وبدل أن يكون الاتحاد حصناً متيناً لليسار، تحول بفعل إخفاقات المحطات التشريعية إلى عنوان لأزمة امتدت لتطال الرمزية التاريخية التي ناضل من أجلها أجيال من الرواد والمناضلين.
ومن هنا، فإن تراجع الاتحاد الاشتراكي تحت قيادة إدريس لشكر لا يُقرأ فقط كخسارة عادية لأصوات أو مقاعد، بل هو بمثابة زلزال هادئ يضرب في عمق المشروع الاشتراكي الديمقراطي برمته، ويمنح قوى اليسار الاشتراكي الموحد فرصة موضوعية لإعادة طرح السؤال حول البديل، شريطة أن تتجاوز هذه الأخيرة شعارات التميز النظري نحو الفعل الميداني القريب من هموم المواطنين والشباب.
إن التاريخ السياسي لا يرحم الكيانات التي تنفصل عن سياقاتها المجتمعية، وما جري في محطة شتنبر 2026 يؤكد أن الذاكرة النضالية للاتحاد الاشتراكي لم تعد كفيلة وحدها لحمايته من غضب صناديق الاقتراع، مما يجعل مستقبل اليسار المغربي معلقاً بقدرة مكوناته على التحرر من أعباء الماضي وتقديم صيغ تنظيمية وفكرية تلامس بصدق نبض الشارع المغربي وتحولات العصر.
معاريف بريس Htpps;//maarifress.com