معاريف بريس – أخبار وطنية
من يقرأ خريطة التوازنات الحزبية في المغرب عقب كل استحقاق تشريعي يدرك جيدا أن قواعد اللعبة السياسية لا تخضع للمنطق العددي المحض بقدر ما تستند إلى المقتضيات الدستورية المرنة وإلى منطق التوافقات الكبرى. وفي حالة الحديث عن فرضية تعثر الحزب المتصدر للنتائج، كحزب الأصالة والمعاصرة، في تجميع أغلبية حاشدة بسبب رفض التحالف مع حزب العدالة والتنمية أو صعوبة التفاهم مع أطراف أخرى، فإن صعود حزب الاستقلال إلى سدة رئاسة الجهاز التنفيذي يظل خيارا معقدا ويصطدم بعقبات قانونية وسياسية حاسمة.
إن النص الدستوري، وتحديدا الفصل السابع والأربعين، يقطع الشك باليقين حين يلزم بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب. هذا المنطوق الصريح يجعل التكليف الأول حصريا للجهة التي احتلت المرتبة الأولى، دون وجود نص صريح يتيح انتقال التكليف أوتوماتيكيا إلى الحزب الثاني أو الثالث في حال التعثر. ومثل هذا السيناريو، إن حدث، يحيل الملف برمته إلى التقدير الملكي والممارسة الدستورية، أو الذهاب نحو خيارات أخرى كالانتخابات المبكرة، مما يعني أن طموح الحزب الثالث في قيادة الحكومة يتطلب توافقا وطنيا استثنائيا يخترق الشكليات الرقمية.
ومع ذلك، فإن هذا التعقيد لا يلغي المحورية المطلقة التي يتمتع بها حزب الاستقلال في الواقع الميداني؛ إذ يجد نفسه في موقع قوة والفاعل الأكثر ترجيحا لكفة أي أغلبية مفترضة. ففي حال حدوث استقطاب حاد يمنع الحزب الأول من عقد ائتلافات سهلة، يتضاعف الثقل التفاوضي للاستقلاليين، بحيث يصبح بإمكانهم صياغة شروطهم بدقة، واقتطاع حقائب وزارية نوعية وتحديد توجهات البرنامج الحكومي، دون الحاجة للوصول المباشر إلى كرسي الرئاسة.
كما أن التجارب السياسية المتعاقبة أثبتت أن حدة الخطاب السياسي وسجالات الحملات الانتخابية تتراجع سريعا فور الإعلان عن النتائج الرسمية وبدء المشاورات المعقدة. فالحزب المتصدر يملك هامشا واسعا لتفادي “البلوكاج” عبر وبناء ائتلاف متوازن يضم الاستقلال إلى جانب أطراف من الكتلة الوطنية والحركات الديمقراطية، وهو السلوك الأقرب للواقعية السياسية التي تجنب البلاد مأزقا مؤسساتيا وتضمن ميلاد حكومة متماسكة وقادرة على تنشيط الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com