تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة 2025: نحو جيل جديد من السياسات العمومية القائمة على إدارة المخاطر وتحقيق الأثر
معاريف بريس – أخبار وطنية
شكل التقرير السنوي للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها برسم سنة 2025 محطة مفصلية في مسار السياسات العمومية الموجهة لتخليق الحياة العامة، حيث انتقلت فيه الهيئة من مرحلة استكمال البناء المؤسساتي إلى مرحلة ترسيخ القيادة الاستراتيجية لمنظومة النزاهة الوطنية.
وقد انطلق التقرير من قراءة موضوعية ترتكز على كون مكافحة الفساد ورشاً وطنياً جماعياً تتقاسمه الدولة بكل مؤسساتها والمجتمع بمختلف مكوناته، بعيداً عن الأحكام الانطباعية أو الاختزالية التي تقرأ الواقع بمنطق النجاح المطلق أو الفشل التام.
ومن خلال تحليل معمق للمعطيات والمؤشرات، سلط التقرير الضوء على وضعية النزاهة بالمغرب مستحضراً أداء المملكة ضمن سبعة مؤشرات دولية مرجعية، والتي أسفرت عن صورة مركبة تعكس تحسناً نسبياً في البنية المعيارية والتنظيمية والإجرائية، يقابله استمرار تحديات جوهرية ترتبط بوجود فجوة واضحة بين الإصلاحات المعتمدة وانعكاسها العملي على الإدراك العام وفعالية الإنفاذ.
وفي هذا السياق، سجل مؤشر مدركات الفساد برسم سنة 2025 تحسناً طفيفاً ببلوغه 39 نقطة من أصل 100 وتقدماً بثماني مراتب ليصل إلى المركز 91 عالمياً، مما يُمثل أول ارتفاع إيجابي يوقف المسار التراجعي الذي طبع المؤشر منذ سنة 2018، غير أن هذا التنقيط يظل مع ذلك دون المتوسط العالمي البالغ 42 نقطة.
وفي المقابل، عكست مؤشرات أخرى كاستمرار التحديات في مؤشر الفساد السياسي التابع لمشروع “فيدي” ومؤشر بازل لمكافحة غسل الأموال ومؤشر سيادة القانون وجود هوامش مهمة للتحسين، لاسيما على مستوى الشفافية المالية والامتثال والإنفاذ التنظيمي، وهي الإشكالات ذاتها التي أبرزها تقرير جاهزية بيئة الأعمال ومؤشر الحرية الاقتصادية ومؤشرات النزاهة العامة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي أكدت أن التحدي المركزي للبلاد يكمن في تقليص فجوة التنفيذ وتحويل المكتسبات المعيارية إلى أثر ملموس في الواقع الإداري والاقتصادي.
وإلى جانب المؤشرات الدولية، غاص التقرير في تحليل المعطيات القضائية والرقابية الوطنية عبر رصد حصيلة عمل رئاسة النيابة العامة والمحاكم المالية، حيث أبان الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة منذ إطلاقه سنة 2018 عن تلقي أكثر من 94 ألف مكالمة أسفرت عن ضبط 420 حالة تلبس، بينما سجلت أقسام الجرائم المالية مئات القضايا الرائجة مع تطور ملحوظ في أحكام غسل الأموال.
وعلى صعيد القضاء المالي، أبرز التقرير أن المحاكم المالية تظل مرصداً حقيقياً لمواطن الهشاشة في التدبير العمومي، حيث تم تسجيل مئات المستنتجات المتعلقة بالتأديب المالي وعشرات الإحالات الجنائية بناء على المادة 111 من مدونة المحاكم المالية، والتي أظهرت تركزاً واضحاً لمخاطر الفساد وسوء التدبير في المجالات التي ترتفع فيها السلطة التقديرية وتتفاعل فيها القرارات الإدارية مع الموارد المالية، وفي مقدمتها الجماعات الترابية والطلبيات العمومية ومجال التعمير والتدبير العقاري.
وقد شكلت سنة 2025 أيضاً محطة لتقييم الحصيلة العشرية للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد (2015-2025)، حيث خلص التقرير بجرأة مؤسساتية إلى وجود فجوة عميقة بين الإنجاز والأثر؛ فرغم بلوغ نسب الإنجاز النظري للمشاريع مستويات متقدمة، إلا أن النسبة الحقيقية للمشاريع المنجزة كلياً لم تتجاوز 54 في المائة، بينما تعثرت الإصلاحات البنيوية الكبرى، واتسمت التجربة السابقة بتضخم المشاريع وتشتتها وغياب حكامة قوية للتنسيق والتتبع والتقييم.
وبناءً على هذه الخلاصة، دعا التقرير إلى ضرورة الانتقال الجذري من استراتيجية “الإنجاز وتجميع المبادرات القطاعية” إلى سياسة وطنية جديدة للنزاهة تقوم على “إدارة المخاطر وتحقيق الأثر”، وتستند إلى جيل جديد من الإصلاحات التشريعية الملحة وفي مقدمتها تجريم الإثراء غير المشروع، وتطوير نظام التصريح بالممتلكات، وتأطير تضارب المصالح، وحماية المبلغين، فضلاً عن تعزيز حكامة التدبير والربط المحكم بين البرامج الاستراتيجية والموارد المالية.
وتتويجاً لأدوارها الاقتراحية، قدمت الهيئة خلال السنة آراء وتوصيات معيارية بالغة الأهمية تروم توجيه القرار العمومي نحو الإصلاح، شملت إرساء نزاهة انتخابية وسياسية تحصن شروط الولوج إلى المسؤولية العمومية، وتفعيل القواعد المرتبطة بتضارب المصالح داخل المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية، فضلاً عن تقديم قراءة نقدية لمشروع قانون المسطرة الجنائية بغية تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإنفاذ الفعال لجرائم الفساد وضمانات المحاكمة العادلة وحماية حقوق الأفراد، ليكون بذلك هذا التقرير وثيقة مرجعية متكاملة تؤسس لمرحلة قوامها الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
معاريف بريس htpps://maarifpress.com