صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

من أحفير الى ميكيني

 

            لا يوجد أي تقاطع بين أحفير التجمع السكاني الحدودي بالشرق المغربي وميكيني البلدة الواقعة شمال دلاس بتكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، فلا جغرافيا بشرية ولا سياسية ولا اقتصادية ولا فكرية تجمعهما ولكن رحلتي هذا العام حاولت توأمتهما بطريقتي دون علم من السلطات الرسمية لكلا لبلدين ،لأن السياسة أحيانا يضيق أفقها ولا تضع مثل هذه العملية ضمن جدول عملها ولها الحق في ذلك لأن ما جدوى بذل مجهود دون نتائج تحصد لتملأ الجيوب؟وما قيمة  ملأ العقول زمن تمجيد الجهلة؟ بل إنها تحفر الخنادق لمنع كل تواصل بين الأهل والأحباب وكسب الرزق ولو عبر التهريب ، فمواطني الحدود في  كلا البلدين وفي ظل غياب فرص الشغل لن نكون أحفير سوى حفرة عميقة من المشاكل، المطلوب التدخل سريعا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، خاصة وأن التاريخ السياسي قد لا يتحدث عن أماكن خالية من الأحداث والأفكار ،ولكنه يمكن أن يسجل مرور الزمن بأماكن لا يحدث فيها أي شيء سوى سرعة مرور مقاتلة تحمل النفط المهرب عبر الحدود المغربية الجزائرية وسكون ليل يضم سكانا من قبائل بني خالد نسبة لسيدي خالد الشريف الإدريسي الذي يوجد ضريحه بعين تموشنت بالجزائر، يا عجباه قبائل هنا وضريح هناك .   إن سكان أحفير ” اختار” أغلب أفراد عائلاتهم الهجرة لفرنسا .وازدهار تهريب سموم القرقوبي ليغيب الشباب عن وعي لم يعد يفيدهم في شيء.فالأم وحدها لن تربي الأسرة  .          .                                                                                                           تركت أحفير ،وتعني  الحفرة بالأمازيغية وهي الواقعة بين الجبال كأنها تختبئ من واقع تنكر لها، لأسافر الى ميكيني، قفزة سريالية لن يستوعبها الذهن بسهولة، إلا بد مرور الزمن  ، لأن الفرق الزمني والحضاري ليسا على نفس الخط التسلسلي للتأريخ .    حطت بي الطائرة التابعة لشركة لوفتانزا الألمانية بعد أكثر من عشر ساعات من الطيران ، نزلت على أرضية مطار دلاس فأحسست للتو أني في عالم راق كل شيئ يسير كخرير مياه في ساقية ، لا ضجيج ولا اضطراب رغم الجموع العديدة من المسافرين من كل بقاع الدنيا، الصمت التام حتى الخطوات التي يمكن أن تحدث بلبلة امتصتها الأرضية المغطاة بالسجاد ، الصفوف تتحرك بسرعة تجاه ممرات مراقبة دخول الحدود،دون أي مظهر من المظاهر المألوفة عندنا، كعدم احترام الصف والحديث بصوت مرتفع وبحث الموظف المكلف عن أي سبب لكي لا يعمل ويقوم بواجبه كأن يخلق موجة من القلق والغضب لأن الصف غير منظم وإن كان هو مسبب ذلك في غالب الأحيان بتقديم شخص يعرفه أو له معرفة ما ،مالية أو عائلية أو ما شابه ذلك.هنا في أمريكا نحن بعيدون عن تلك الممارسات لأن الدموقراطية نظفت العقول والنفوس على النظام والإحترام والسلوك السوي وتقدير الواجب والحق بشكل وثني. يتقدم المسافر نحو مكتب رجل الأمن المكلف، تؤخذ البصمات وتلتقط صورة المسافر ويتم الترحيب به في الولايات المتحدة الأمريكية،هنا لم ألاحظ لأي تصرف يوحي بأي شيئ من قبيل الميزفي التعامل من لدن رجل الأمن ولا من لدن الجمركي، الكل يقوم بعمله بصمت وهدوء وابتسامة او غمزة عين علامة التواصل الحبي والإنساني هنا، هنا عادت بي المخيلة  للجهة الأخرى من ضفة الأطلسي، وتصورت كيف كان سيكون تصرف القائمين على نفس المهام ،على الأقل سترى أو تسمع كلمة أو ملاحظة في غير موضعها، هذا إذا لم يتم تعطيلك دون سبب لتفهم رأسك,وتحك جيبك ، عدا عن الهرج والمرج. .                                                                             وصلت ميكيني البلدة الهادئة وكأنها منتجع خاص للنقاهة ، لا يهم كيف كان الإستقبال فالجو العام وحده كاف للشعور بالراحة النفسية، فالغربة ليست مسافة البعد عن الوطن بل هي ابتعاد الوطن عنا،لما يتنكر لنا وسط الطريق ونحن في حاجة لا للعون المادي بل فقط بالإعتراف بالوجود والحق في موطء قدم على أرض ذلك الوطن.سألت أحد الأمريكين عن كيفية ردة فعلهم إزاء العفو- كيت المغربية .بعدما رويت له القصة ، قال   بالحرف     Each government falls        ” أي أن كل الحكومة تسقط ، بعد ذلك غيرت الموضوع لأنه لن يستوعب بسهولة الوضع السياسي المغربي  بسرعة ” .لأن في المغرب لا أحد يستقيل بل يقالون لأنهم لم يتم اختيارهم بل تعيينهم .  تستطيع أن تطير بالطائرة الى أي بقعة في العالم ولكن لن تستطيع أن تطير بالوطن الى سماء الرقي والدموقراطية ،فذلك يتطلب الوعي السياسي والتربية المواطنة للحاكم والمحكوم،  ضمن منظومة متناغمة فيها البشر لا فرق بينهم سوى وضعيات قانونية وقدرات عملية وفكرية فلا مجال لتوارث الخيرات والمناصب عن طريق تقديم الولاءات ونهج سبل الإحتيال والنصب على مختلف المستويات وتلقي الحماية من العشيرة مهما كانت مخالفتك للنظم والقوانين ، لأن هذه الأخيرة وضعت أصلا لشرائح اجتماعية تعتبر دونية في مفهوم الذهنية الرجعية التي تريد التحكم في المصائر بذرائع قرنوسطية وما ورائية زمن العولمة والأنترنيت حيث يتم التواصل مع أقاصي العالم بالضغط على زر الحاسوب وحضور المعلومة . ونحن مازلنا ندفن رؤوسنا في الصحراء كالنعامة والعالم يتفرج علينا كما لو كنا كائنات من زمن غابر.                            .                                                       تركت أحفير ورائي لكنها حاضرة في ذهني، تحفر ذاكرتي لتخرج منها كوابيس زمن الفقر وقلة الغطاء والملبس ورحلة الطفولة بين قر الشتاء ومدرسة نسافر لها بالأقدام لنصل بالعياء لكراسي وسبورة سوداء كصباحات لا تستفيق فيها الشمس ليطول ارتجاف أيادينا الفتية التي لا تقوى على الكتابة. ،وتركت وطني في داخلي لأسافر به وأرى به مظاهر حضارية وممارسات ناعمة كالحرير وسامية في الرقي المدني والفكري للأناس يعيشون زمنهم الحديث،ولن يتيهوا كما نضيع نحن بين دروب التاريخ المظلم، حيث ما زلنا تتحكم فينا العفاريت والتماسيح والديناصورات وتمارس علينا الأخطاء كما لو كنا فئران التجارب. وتنشر فينا انماط من التفكير لم تعد لها أثر سوى في كتب تاريخ الفلسفة.                .         ميكيني البلدة الصغيرة هنا والكبيرة هناك ، لأن المسافات تتقلص وتتسع حسب المكان بالرغم من أن وحدات القياس هي هي ، غير أن البعد المحدد هو الزاوية التي ننظر منها الى المكان، فالمستشفى هنا ليس سريرا في زاوية بين مجموعة من الأسرة في حجرة مكتظة بالمرضى والرائحة المقرفة والجدران التي بنت العناكيب فيها بيوتها ، بل هنا السرير لوحده عبارة عن وحدة صحية مستقلة ، بحيث يمكن للمريض التحكم في وضعية السرير ليختار الوضع المريح، وله خط هاتفي يربطه مباشرة بالممرضة والطبيب المكلف ، وخدمات عديدة  مثل القيام بالتحليلات بعين المكان وقياس الضغط وأمور اخرى قد أخرج عن الموضوع لو حاولت استعراضها. فالمستشفى هنا كفندق خمسة نجوم ورغم ذلك يتم انتقاد النظام الصحي الأمريكي ،لأن التغطية الصحية لا تشمل كل فئات الشعب،وكل سياسة تحاول منح تغطية شاملة تلقى المعارضة الشديدة من لدن جماعات الضغط التي يشكلها المحامون وشركات التأمين وصناع الأدوية . لا مجال للمقارنة بين الوضعين الصحيين بأحفير وميكيني ، مقارنة قد تفقدنا التوازن ونسقط في متاهات ، لأن مثل تلك المقارنة عبارة عمن يقوم بالبحث عن النجوم وسط النهار . تجد ميكيني بوصلتها بسهولة لأنها عرفت منذ البداية كيف تخطط لحياتها ، الطرقات الواسعة والقناطر واحدة فوق اخرى في ثبات تمتد لنوصلك وجهتك دون عناء، كما لو أنك في حلم تطير لا تسير. وأحفير طريق واحد يمر بمحاذتها كمن لا يرضى اختراقها تحقيرا لها ليمضي لوجدة في منعرج ومدار لولا المسجد الجديد ،على الجهة اليمنى وأنت صاعدا  جبل الكربوز، لولا ذلك المسجد الذي يشهد على  انتمائه للمدينة، لما كان للمسافر معرفة  جغرافيا أحفير وموقعها. وبعد هل للتاريخ الماضوي أن يرحل عن الجغرافيا ويتركها ترسم تاريخا حديثا فيه القناطر والطرقات والمستشفيات ، والمدارس مثل ما في هذه المدينة التي لا تسمع فيها  لمزامير السيارات ولا تشم دخان رواد الأماكن العمومية ولا تضجر لصراخهم  ؟ بين أحفير وميكيني قاسم مشترك واحد، الهدوء ، الأول ناتج عن جمود الحركة والثاني نابع من تنظيم الحركة, فهل نشرع يوما في التنظيم لنتحرك نحو المستقبل؟ وبعد هل ستتم توأمة البلدين دون أن تكون العملية مزعجة لسكان ميكيني الذين ألفوا الهدوء، وصادمة لسكان أحفير الذين اعتادوا على التهميش خاصة وأن الموقع الجغرافي الحدودي بين المغرب والجزائر المغلق بين الدولتين ساهم في انغلاقها أكثر .لكن عسى أن تكون رحلتي بين التاريخ  والجغرافيا قربت المسافات بين نقطتين لا تعيش في نفس العصر.    

الحسين أربيب

معاريف بريس

www.maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads