معاريف بريس – اخبار وطنية
تتحول الصور السياسية في كثير من الأحيان من مجرد وثائق بصرية عابرة تلتقط لحظات ودية، إلى شواهد حية تُفكك بنيات معقدة من العلاقات والنفوذ بمجرد تغير سياق السياسي المحيط بها.
والصورة المرفقة “image.png”، التي تجمع قادة بارزين من الصف الأول لحزب الأصالة والمعاصرة مع القيادي السابق بجهة الشرق عبد النبي بعيوي، تقدم نموذجاً صارخاً لكيفية إعادة قراءة الأرشيف الحزبي على ضوء الأحكام القضائية الثقيلة.
إنها لقطة تختزل مرحلة كاملة من التوازنات الداخلية التي عاشها الحزب قبل أن تهز أركانه التحقيقات المرتبطة بملف “إسكوبار الصحراء”، والتي أسفرت مؤخراً عن إدانة بعيوي ابتدائياً باثنتي عشرة سنة سجناً نافذاً.
تكمن القوة التعبيرية لهذه الصورة في طبيعتها غير الرسمية؛ فالملابس الصيفية الخفيفة، والارتداء التلقائي للجلباب المغربي، والابتسامات العريضة المتبادلة بين الحاضرين، تشي بوجود رابط يتجاوز حدود التنسيق الإداري أو الحزبي الجاف إلى فضاء الدفء الإنساني والتقارب الشخصي. وفي قلب هذا المشهد، يتوسط الجلسة وزير العدل والأمين العام السابق للحزب عبد اللطيف وهبي، محاطاً بأسماء وازنة طبعت مسار المؤسسة التشريعية والتنفيذية، كأمين عام أسبق ورئيس سابق لمجلس المستشارين محمد بنشماس، وعضو المكتب السياسي العربي المحرشي، وصولاً إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل الحالي عضو القيادة الجماعية المهدي بنسعيد، بينما يقف بعيوي على أقصى اليمين في موقع يعكس حضوره القوي والمحوري في صياغة تلك المرحلة.
من الناحية التحليلية، لم تعد هذه الصورة مجرد ذكرى للقاء هامشي أو مناسبة اجتماعية خاصة، بل تحولت إلى مادة دسمة للنقاش العمومي تضع الحزب في موقف دفاعي حرج أمام الرأي العام والمنافسين السياسيين على حد سواء.
إن ظهور مسؤولين حكوميين وتشريعيين بارزين في كادر واحد مع شخص أُدين بجنايات ثقيلة يطرح تساؤلات عميقة حول شبكات النفوذ والتوغل التي نجحت تلك الوجوه في نسجها داخل مراكز القرار الحزبي والسياسي، وكيف كان يُنظر لبعيوي لسنوات باعتباره مهندساً انتخابياً ورقماً صعباً في الخريطة التنظيمية للبلاد قبل أن تطيح به كلمة الفصل القضائية.
أمام هذا الإحراج الأخلاقي والسياسي، تكشف القراءة المتأخرة للصورة التناقض الصارخ بين الأمس واليوم؛ فبينما يوثق المشهد انسجاماً وثيقاً، سارعت الهياكل التنظيمية لحزب الأصالة والمعاصرة بعد تفجر القضية إلى إعلان قطيعة حاسمة مع هذا الإرث عبر تجميد عضوية المتابعين، والدفع بصيغة “القيادة الجماعية” في مؤتمره الأخير كإستراتيجية لإعادة الهيكلة وتغيير الجلد السياسي.
وهكذا، تظل الصورة شاهدة على حقبة طويت تفاصيلها، تذكر الشارع المغربي بأن المشهد السياسي ليس مجرد برامج وشعارات، بل هو شبكة معقدة من التفاعلات البشرية والمصالح التي يملك القضاء وحده، في دولة الحق والمؤسسات، سلطة تفكيكها وإعادة صياغتها بما يضمن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
أبو ميسون
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com