معاريف بريس – أخبار دولية
تضع وثيقة “الاتفاق الإطاري الثلاثي” الموقعة في واشنطن العاصمة بتاريخ 26 يونيو 2026، بين إسرائيل ولبنان برعاية وضمانة مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية، منطقة الشرق الأوسط أمام منعطف جيوسياسي بالغ التعقيد.
هذه الاتفاقية التي أُقرت بجهود إدارة الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، لا تمثل مجرد وقف لإطلاق النار أو ترتيبات أمنية مؤقتة على طول “الخط الأزرق”، بل تؤسس لتحول إستراتيجي جذري يستهدف تصفية “حالة الحرب” المستمرة منذ عقود، وتفكيك البنية التحتية العسكرية للفاعلين من غير الدول، وعلى رأسهم حزب الله، لصالح معادلة أمنية جديدة تُعيد رسم مفهوم السيادة اللبنانية وتحجيم النفوذ الإقليمي الإيراني.
وتتمحور الوثيقة حول أربعة عشر بنداً إستراتيجياً تخلط بين الطابع الأمني الصرف والالتزام السياسي طويل الأمد.
إن إقرار الطرفين في البند الأول بـ “حق كل دولة في العيش بسلام” وإعلان النية الصريحة لـ “إنهاء حالة الحرب رسمياً”، ينقل الصراع من حيز التهدئة العسكرية المؤقتة إلى فضاء الاعتراف الدبلوماسي والأمني المتبادل، وهو ما يمكن اعتباره، من الناحية الواقعية، خطوة متقدمة نحو توقيع معاهدة سلام كاملة وشاملة في المستقبل القريب بتسهيل ورعاية أمريكية مستمرة عبر المجموعات التقنية المشتركة.
بيد أن المحك الحقيقي لهذا الاتفاق يكمن في المعضلة الهيكلية المتضمنة في البندين الثاني والثالث، واللذين يربطان “إعادة الانتشار التدريجي للجيش الإسرائيلي خارج الأراضي اللبنانية” بـ “النزع الفعلي للمقاومة وسلاح المجموعات غير النظامية وتفكيك بنيتها التحتية”.
هذا الربط العضوي المشروط يُعطي لتل أبيب غطاءً قانونياً وسياسياً دولياً لربط انسحابها بمدى قدرة الدولة اللبنانية وجيشها الوطني على تحقيق مبدأ “احتكار السلاح”، وهو ما يضع الجيش اللبناني أمام مسؤولية تاريخية غير مسبوقة لمواجهة ترسانة عسكرية ضخمة ومجذرة سياسياً واجتماعياً داخل النسيج اللبناني.
وفي هذا السياق، يمثل إدخال بند “الرقابة المالية الصارمة” في البند الحادي عشر ذروة الذكاء الإستراتيجي الأمريكي؛ حيث تم ربط تدفق أموال إعادة الإعمار والمساعدات الدولية الموعودة بشبكة أمان قانونية ومالية تمنع وصول أي سنت إلى الكيانات المرتبطة بحزب الله أو إيران.
هذا الحصار المالي الممنهج عبر مؤسسات الدولة اللبنانية يسعى إلى تجفيف منابع الحواضن الاجتماعية، وتحويل ملف الإعمار إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي مباشر على بيئة الفاعلين غير النظاميين. ومن الواضح أن النص قد كُتب بلغة تتوخى إحكام القبضة القانونية الدولية على أي تحرك عسكري مستقبلي لغير الدولة اللبنانية، إذ يقطع البند السادس الطريق أمام نظرية “جيش وشعب ومقاومة” التي طالما حكمت التوازنات اللبنانية الداخلية، عبر تأكيده على أن الحكومة اللبنانية تمتلك “السلطة السيادية الحصرية لإعلان الحرب وصنع السلام”، واعتبار أي دور أمني أو عسكري خارج إطار الدولة غير قانوني ومتعارضاً مع المصالح الوطنية.
ومع ذلك، فإن الحفاظ على “الحق المتأصل في الدفاع عن النفس” للطرفين بموجب ميثاق الأمم المتحدة في البند السابع، بالتوازي مع تأكيد إسرائيل في البند الخامس بأن عملياتها العسكرية كانت مجرد نتيجة لـ “التهديدات العدائية”، يمنح تل أبيب نافذة قانونية لتبرير أي اختراقات أمنية أو ضربات استباقية مستقبلية تحت ذريعة مكافحة عودة المجموعات المسلحة أو عدم نجاعة آليات التحقق، ما يجعل السيادة اللبنانية معلقة على حبال التقييمات الأمنية الإسرائيلية والأمريكية.
وتخلص القراءة التحليلية للاتفاق الإطاري إلى أننا لسنا أمام وثيقة تفاوضية عادية، بل أمام خطة دولية مدعومة عربياً وغربياً لإعادة هيكلة الدولة اللبنانية ونزع أنيابها العسكرية غير النظامية مقابل وعود بالاستقرار الاقتصادي والمالي.
إن نجاح هذا الاتفاق يظل رهيناً بمدى قدرة مؤسسات العاصمة بيروت على تحمل العبء الأمني الجديد، ومدى مرونة القوى الإقليمية، وعلى رأسها طهران، في القبول بقواعد اللعبة الجديدة التي فرضتها واشنطن وتل أبيب ميدانياً ودبلوماسياً، مما يثبت في النهاية أن الجغرافيا السياسية للمنطقة يُعاد تشكيلها بناءً على موازين القوى الراهنة، وأن مفهوم السيادة الوطنية للدول الهشة يظل مجرد واجهة قانونية تدار تفاصيلها الحقيقية في مطابخ القرار الدولي.
معاريف بريسHtpps://maarifpress.com