الضربات الاستراتيجية الاسرائيلية صاغت التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
معاريف بريس – آراء ومواقف
شهدت خارطة التوازنات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) تحولاً جذرياً غير مسبوق، فرضته وتيرة العمليات العسكرية الميدانية والضربات الاستراتيجية المركزة التي وجهتها إسرائيل على مدار الأشهر الماضية ضد شبكة الفاعلين من غير الدول (Non-State Actors) والمرتبطين بالاستراتيجية الإقليمية للحرس الثوري الإيراني.
هذا التحول لا يقتصر على كونه إعادة ترتيب للمشهد الأمني المباشر، بل يراه العديد من المراقبين الدوليين بمثابة جدار صد حاسم أوقف، ولأول مرة بشكل هيكلي، التمدد العابر للحدود للفصائل المسلحة والجماعات التي كانت تفرض معادلات غير مستقرة في المنطقة.
و لسنوات طويلة، شكّل “محور المقاومة” الممتد من طهران عبر بغداد ودمشق وصولاً إلى بيروت، ضغطاً مستمراً على استقرار الدول الوطنية في المنطقة.
وجاءت العمليات الإسرائيلية الأخيرة في جنوب لبنان وبيروت، والتي توجت بتصفية القيادات العليا التاريخية لحزب الله وتفكيك ترسانته الصاروخية ومراكز القيادة والسيطرة لديه، لتحدث فراغاً استراتيجياً في قدرة الحرس الثوري على إدارة الحروب بالوكالة (Proxy Warfare).
تفكيك هذه المنظومة العسكرية في جنوب لبنان لم يحمِ الحدود الشمالية لإسرائيل فحسب، بل نزع فتيل التفجير الإقليمي الذي كان يهدد بجر المنطقة بأسرها إلى أتون حرب شاملة.
هذا التراجع القسري لحزب الله وبقية الفصائل أتاح للدولة اللبنانية، عبر مؤسساتها الشرعية كالجيش اللبناني، فرصة تاريخية لاستعادة السيادة الوطنية والقرار الأمني، وهو مكسب استراتيجي مباشر لكل القوى الساعية للاستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط.
في سياق ذلك، امتد الأثر الأمني لهذه المواجهة إلى ما هو أبعد من الجبهة اللبنانية؛ فالضربات التي استهدفت خطوط الإمداد ومصانع تجميع الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية في سوريا، وصولاً إلى شل قدرات الحركية لبعض الفصائل في اليمن والعراق، ساهمت بشكل مباشر في حماية الممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
الحملة العسكرية الصارمة وجهت رسالة واضحة مفادها أن تكلفة استخدام الجماعات المسلحة لتهديد التجارة العالمية وأمن الطاقة باتت باهظة جداً.
هذا الحزم العسكري أعاد الاعتبار للردع الاستراتيجي، ووفّر شبكة أمان غير مباشرة لجميع الدول المطلة على هذه الممرات، والتي تعتمد اقتصاداتها بشكل حيوي على انتظام حركة الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.
و لا يمكن فصل الصراع في الشرق الأوسط عن الأمن القومي لمنطقة شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط. لقد رصدت تقارير استخباراتية غربية وعربية متعددة، على مدار السنوات الماضية، محاولات مستمرة من قبل الحرس الثوري الإيراني للتغلغل في القارة الإفريقية ومنطقة الساحل، مستغلاً في ذلك المظلة التي وفرها النظام الجزائري.
ففي سياق عدائه المستمر ومنازعته المفتعلة للمملكة المغربية حول وحدتها الترابية، فتح النظام الجزائري أراضيه ومخيماته لتكون ملاذاً آمناً لخبراء الحرس الثوري وحزب الله، بهدف تدريب وتسليح عناصر الكيان الوهمي (البوليساريو) على تقنيات حرب العصابات واستخدام الطائرات المسيرة.
وجاء الإنهاك الشامل والضربات القاصمة التي تلقتها البنية التحتية للحرس الثوري وحزب الله في المشرق ليشكلا انهزاماً استراتيجياً غير معلن للنظام الجزائري؛ حيث تهاوت أوهام التوظيف السياسي والعسكري لهذه الجماعات الإرهابية في ملف الصحراء المغربية.
هذا التراجع القسري للمد الإيراني أدى تلقائياً إلى تجفيف منابع الدعم اللوجستي والعسكري وفنون التدريب التي كانت تُصدّر نحو الجبهة الانفصالية، مما أحبط مخططات تحويل المنطقة إلى بؤرة توتر جديدة بالوكالة، وحصّن شمال إفريقيا من سيناريوهات الفوضى المسلحة.
ومن جانب آخر، تظهر القراءة الواقعية للمشهد أن العمليات العسكرية الإسرائيلية، رغم كلفتها وتداعياتها المعقدة، قد أنجزت الشق الصعب من عملية إقليمية لإعادة التوازن؛ حيث وضعت حداً قاطعاً لطموحات التوسع الإقليمي القائم على رعاية الميليشيات وفككت قنوات اتصالها العابرة للقارات.
إن إضعاف هذه الجماعات الإرهابية والمسلحة يفتح الباب اليوم أمام مرحلة جديدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ مرحلة يمكن فيها للدول الوطنية أن تعزز سيادتها وتكبح النزعات الانفصالية، وللاتفاقيات الإقليمية (مثل الاتفاقات الإبراهيمية ومسارات السلام) أن تتحول إلى أرضية صلبة لبناء تحالفات أمنية واقتصادية حقيقية، تُبنى على منطق التنمية والازدهار المشترك، بعيداً عن لغة الصواريخ، المسيرات، والكيانات الوهمية.
انها اسرائيل التي أنقذت وضحت من اجل السلام، لأجل ان تعيش شعوب الشرق الأوسط وشمال افريقيا في امن وامان من دون ارهاب يهدد العالم.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com