صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

تنازل المشتكي في جرائم الرشوة: لماذا تتشبث النيابة العامة بالمتابعة في حالة التلبس؟

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

شهدت النقاشات القانونية والقضائية في الآونة الأخيرة طرحاً متجدداً حول حدود سلطة النيابة العامة في تحريك ومواصلة الدعوى العمومية، لا سيما في الجرائم التي تصنف كـ “جرائم فساد مالي وإداري”.

ومن أكثر الإشكالات التي تثير اهتمام الرأي العام والمهتمين بالشأن القانوني، هي وضعية ضبط مشتبه به في حالة تلبس بجريمة الرشوة، ثم إقدام المشتكي (الضحية أو المبلغ) على تقديم تنازل رسمي لفائدة المشتكى به، ومع ذلك، تصر سلطة الملاءمة على استمرار المتابعة وإحالة المعني بالأمر على المؤسسة السجنية في حالة اعتقال.

يطرح هذا السيناريو تساؤلات جوهرية حول فلسفة المشرع المغربي في حماية الوظيفة العمومية، والتمييز الحاسم بين الحق الشخصي والحق العام.

و تنبني الفلسفة الجنائية الحديثة على مبدأ أساسي مفاده أن الجريمة، وإن وقعت على فرد، فإن أثرها يمتد ليزعزع استقرار المجتمع ككل. وفي جرائم الرشوة، يتخذ هذا المبدأ أبعاداً أكثر صرامة؛ فالرشوة ليست نزاعاً مدنياً بين طرفين يمكن حسمه بصلح أو تنازل، بل هي اعتداء مباشر على نزاهة المرفق العام، وتقويض لمبدأ تكافؤ الفرص، وتشويه لسمعة الإدارة.

من الناحية القانونية الصرفة، بمجرد أن تضع النيابة العامة يدها على الجريمة، تخرج الدعوى العمومية من سلطة الأفراد وتصبح ملكاً للمجتمع. وبالتالي، فإن تنازل المشتكي ينحصر أثره في الجانب المدني (أي التنازل عن المطالبة بالتعويض المالي عن الضرر الشخصي)، لكنه لا يملك أدنى سلطة لإجبار النيابة العامة على إسقاط الحق العام أو صك الاتهام.

كما تعتبر حالة التلبس، كما هي محددة في المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية، من أقوى الحالات الإثباتية التي تعزز موقف الاتهام. فالتلبس يقلص هامش المناورة أو الإنكار، نظراً لضبط المشتبه به متلبساً بالفعل، أو فور ارتكابه، أو حاملاً لأدلة الجريمة (كالأوراق النقدية المُعلمة أو وسائل الإثبات الرقمية والمادية).

أمام هذه القوة الإثباتية، تمنح المادة 74 من قانون المسطرة الجنائية لوكيل الملك أو الوكيل العام للملك صلاحيات واسعة وعقلانية. فإذا تبين أن الفعل يعاقب عليه بالحبس، ونظراً لخطورة الفعل الجرمي وأثره السيء على النظام العام، يكون قرار الإيداع بالسجن والمتابعة في حالة اعتقال قراراً ينسجم تماماً مع التوجهات الاستراتيجية للسياسة الجنائية القائمة على تخليق الحياة العامة ومحاصرة الفساد.

و تتأرجح عقوبة الرشوة في القانون الجنائي المغربي (الفصول 248 وما بعده) بين العقوبات الجنحية والجنائية حسب طبيعة الوظيفة والغرض من الرشوة. وفي الحالة النموذجية التي يتم فيها إيداع المشتبه به السجن، ينتقل الملف من مرحلة الملاءمة (النيابة العامة) إلى مرحلة المحاكمة (قضاء الحكم).

هنا، يبرز الدور الوحيد الذي يمكن أن يلعبه “تنازل المشتكي”؛ فهو لا يمنح البراءة، ولكنه يقدّم للمحكمة كعنصر من عناصر الملف التي قد تستأنس بها الهيئة القضائية لتمتيع المتهم بـ “الظروف التخفيفية” الصالحة لتخفيض العقوبة السجنية أو جعلها موقوفة التنفيذ، وذلك بناءً على السلطة التقديرية التامة لقضاة الموضوع، ومعاينة مدى توفر الضمانات القانونية والواقعية للمتابع.

إن تشبث النيابة العامة بالمتابعة وإحالة المشتبه به في حالة تلبس بالرشوة على السجن رغم تنازل المشتكي، ليس إجراءً تعسفياً، بل هو تطبيق سليم وصارم لروح القانون. إنه رسالة واضحة مفادها أن الفساد الإداري والمالي ليس “قضية شخصية” يمكن تسويتها وراء الكواليس، بل هي قضية وطن ومجتمع لا يقبل المساومة.

معاريف بريس htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads