صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

إلى زهرة ذبلت دون وداع

“إذا ذهبت، خذي فصل الشتاء، إذا!” محمود درويش

كما للباكور، (الهندي والمغربي معا)، سبعة أيام يظهر فيها ويختفي مثل ثعلب الراحل محمد زفزاف، فإن لبعض حالات الحب أيضا سبعة أيام، كما عنون ذلك محمود درويش قصيدة جميلة، وفي بعض الأحيان يكون له يوم واحد فقط في السنة، يسميه العشاق “سان فالنتاين” يتزامن مع 14 فبراير كل عام الذي يوشك أن يطرق عليهم الأبواب.

فهل سيفتحونها في وجهه مع موجة البرد و”الصميقلي” التي تلسع أجساد قاطني الجبال والمناطق البعيدة في المغرب العميق، فتلسعها سياط قشعريرة الفقر والعوز وليس قُشعريرة “الحب” التي تغنى بها شعراء مجانين؟

فالحب في زمن “الحرب” مع ماديات الحياة، و”جري عليا نجري عليك”، لم يعد له وجود من وجهة نظري المتواضعة، وإن تفاءلت قليلا ، فيمكن أن ادعي بأنه مهدد بالانقراض، وانصح من اشتاق الى مخلوق يسمى “الحب”، أن يفتح “اليوتوب”، ليستمع ويستمتع أيضا بأجمل القصائد التي تغنى بها عمالقة الغناء العربي والغربي.

ولا أبالغ إذا شبهت بعض أنواع الحب، بأي أكلة خفيفة مطبوخة بسناك بالشارع على فران كهربائي، بمجرد أن ننتهي من التهامها حتى نُصاب بالجوع الشديد من جديد.

وهكذا، يُمكن أن يخوض الواحد منا تجربة عاطفية في الصباح وينهيها في مساء ذات اليوم، بــــــ(sms)، في زمن “يُصبح فيه المرء مُغرما، ويُمسي متشائما”، الله يعافينا وخلاص.

إنه مخلوق مزاجي، في رمشة عين قد يتحول من باقة ورود معطرة، إلى قصائد رثاء مسيلة للدموع، أحيانا بلا سبب، وأحيانا بسبب تدخل بعض الفضوليين، الذين يدمرون بأرجلهم بذور شقت لتوها التربة لترى أشعة الشمس، فيتسلط عليها من ينتفها أو يقضمها فرس بأسنانه الكبيرة بسبب جوعه.

وهكذا، أنصح أي عاشق مبتدئ باخفاء “شجيرة الحب” عن الأنظار، والابتعاد عن الشارع العام، لكي تنمو شجيرته بعيدا عن “التقواس” أو”النتف”.

وعندما أتحدث عن الحب، لا أقصده به تلك العلاقة التي لا نتصورها إلا بين رجل وامراة، فقد يكون “حُبا” بين المواطن والوطن، وبين المناضل والحزب، وبين الطالب والجامعة، وبين الابن والعائلة، ولهذا فإن الواحد منا عندما يُحب يستجمع كامل قوانا ويكثف كل طاقاته لتسخيرها في سبيل (coup de foudre)، تشبه التيار الكهربائي مرتفع التوتر، وأي محاولة لنزع أحد أسلاكه، يتسبب لأحد الطرفين في تماس كهربائي قد يحرق الأعصاب ويحولها إلى رماد.

ومهما استهزئنا مثل الراحل محمود درويش من هذا الحب الذي لايدوم سوى سبعة أيام، فإننا نشعر بألم كبير في دواخلنا، ليس فقط لفقدان من نحب، ولكن لعدم قدرتنا معاودة التجربة للمرة الثانية، لأنه في كثير من المشاعر يصعب التكرار، فالبيت الشعري يقول “وما الحب إلا للحبيب الأول”، سيما أن هذا القرص المنوم الذي يسمى “الحب” ولايُباع في الصيدليات بعيدا عن أعين وزير الصحة الحسين الوردي، ويرمزون له (للحب وليس الوردي طبعا)، بعضلة في الجسم يُلقبونها بـــــ(القلب)، يحتاج من الواحد فينا إلى مجموعة من المُحاولات لضرب حجرتين إلى أن نحصل على تلك الشرارة التي بدونها تتحول الأمكنة التي يعشش فيها طائر “الحب إلى فضاءات باردة مجردة من الحيوية الضرورية للعلاقات الايجابية والبناءة.

إنها تلك الشرارة الأزلية التي ولد منها الانسان البدائي النار التي ساعدته في طبخ اللحم، فلم يعد يأكله نيئا، وساعدته للحصول على الدفء، فيقطع مع مرحلة البرد والزمهمرير.
إن الحب بمعناه السامي، شعور بخيرية الذات والحياة والمصير، لكن الطريق إليه غير مفروشة دوما بالورود، فقد نُصادف في جنباتها حواجز كثيرة، والمطلوب منا القفز عليها و التوقف للادلاء بوثائقنا التي مهما كانت صحيحة، فبعض رجال الدرك يتلذذون في توقيفنا، ومنهم من يسأل عن اختيارنا للون السيارة والطريقة التي نسوقها بها، ومهما احترمنا السرعة، فإن بعض “الجدارمية” يمعنون في حرماننا من مواصلة السير.

قد نخاف، ونفترق، وكل واحد منا يركب وسيلة أخرى، غير أننا لن ننسى أبدا، اختيارنا الأول الذي تدفقت ينابيعه من الأعماق، ونادى بصوت مخنوق، “واصلا الطريق”، غير أن بعضنا يخذله بالاستجابة السريعة لـــــــ”الجداريمة” الذين يفرضون عليه الصحن الواحد، واللون الواحد، والذوق الواحد.

ألهذة الدرجة، نحن العرب غير قادرين على الاحتفاظ بعلاقة حبنا الأولى، ولهذا ينقلب بعضنا على بعض في أول امتحان، ويلجأ في انشاد القصائد، التي نجد الكثير منها في ديوان الشعر العربي تتغنى بالفراق، والندم، واللوعة، بعدما ظل لردح من الزمن كل واحد منا يدعي الوصل بليلاه، التي يمكن أن تكون امراة أو وطنا أو حزبا أو ثورة أو محاولة للاصلاح في إطار الاستقرار.

كما للحب سبعة أيام، هل تكون لأزهار الربيع الديموقراطي أيضا نفس الأيام ؟ إذا كان ذلك فيكفي أن نقول لتلك الأزهار، ما قاله درويش “إذا ذهبت، خذي فصل الشتاء، إذا!”

 

www.maarifpress.com

حسن الهيثمي

معاريف بريس

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads