بعد النكبة .. وفي بداية ستينات القرن الماضي .. بدأت ظاهرة تشكيل الاحزاب والفصائل الفلسطينية تبعا وبناءا على حاجة الفلسطينيين للتنظيم لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي لأراضي 48 ، وكان تشكيل وميلاد هذه الفصائل من أنبل الظواهر التي عرفها التاريخ ، بهدف تجنيد القوى والافراد والطاقات البشرية التي هاجرت وهُجّرت من الخرب والقرى والمدن الفلسطينية ، وتجمعت في المخيمات والتجمعات السكانية في قطاع غزة والضفة الغربية والداخل الفلسطيني ودول الجوار .
ودعمت تشكيل هذه الفصائل ونشاطاتها جهات متعددة ساهمت في تمكين هذه الفصائل من إثبات قدراتها على العمل الوطني والعمل الفدائي والتنظيمي ، وكانت التيارات والاحزاب والانظمة والدول المختلفة تدعم الفلسطينيين لتشكيل قوى وتنظيمات وفصائل فلسطينية بناءا على التقارب او التفاهم العقائدي اوالفكري او السياسي ، ولو يكن هناك ضير او ضرر من هذا التنوع في العمل الوطني حيث كلٌّ عمل وقاوم وجاهد من اجل الدفاع عن فلسطين والعوده وتقرير المصير ، ودفع كل تنظيم وفصيل وعلى مدى سنوات الاحتلال ثمن المقاومة ما لا يُعد ولا يُحصى من الشهداء والجرحى والاسرى والابعاد والعذاب .
وبعد التحولات المصيرية والمفصليه التي حصلت عالميا وأثرت على منطقه الشرق وشرق اوروبا والشرق الاوسط والمنطقة العربية، وخاصة حربي الخليج الاولى والثانية ، وتقسيم الاتحاد السوفييتي وتشكيل الاتحاد الاوروبي ونشوء اقطاب جديده مثل الصين وروسيا ، وسعي امريكا والدول الغربية للهيمنه على العالم من خلال قطب واحد أوحد، كما اتضح ان العالم أصبح أكثر ميلاً الى حل سريع ونهائي والتخلص من القضية الفلسطينية والاعتراف بدولة الاحتلال لاسترضاء الغرب وامريكا واسرائيل التي بدأت تخطط وتصنع وتتدخل في صنع السياسات وحتى تشكيل الحكومات في العديد من دول العالم ، بعد هذه التحولات فقد تغيرت اللعبه السياسية ولغة المقاومة الفلسطينية ، التي حوصرت في العديد من مواقع العمل الفدائي والوطني، وأُبعدت عن الساحات القريبة من حدود فلسطين التاريخية، ثم حصار القياده الفلسطينية التي وجدت ان الحل يجب ان يكون من الداخل ومن خلال العوده الى العمل من داخل فلسطين ، فكان اعلان 88 وكانت اوسلو وما تبعها من اتفاقيات وتفاهمات .
هذا الحصار أو السجن الطوعي الذي وافقت عليه القوى والفصائل الفلسطينية أدى إلى تعطيل العمل الفدائي وعمل المقاومة واستراحة المقاتلين الشجعان والتزام العائدين من الثوار عناصر هذه القوى بالنهج السياسي وتكيفهم مع الوضع المريح من خلال انخراط كافة الاطر والقوى والفصائل في اجهزة ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية – السلطة الوليدة ، والانخراط في عملية بناء وطني تميز بصفة التحاصصية.. حيث ان كل فصيل بحث عن حصته من نتائج هذا الاتفاق من خلال المراكز والمواقع والمكتسبات.
وبما ان معظم الفصائل الان لم تعد تعمل حسب ووفق مبادئها وأُسس أنظمتها الداخلية التي ارتكزت وتمحورت أبّان تشكيلها على تحرير الارض والانسان الفلسطيني .. فما هو دورها ؟؟ ولماذا تبقى في الساحه السياسيه اذا لم يعد لها دور في العمل الفدائي والثوري ؟؟ إذ تمحور دورها في المعارضه اللفظيه والمناكفة والمحاصصه في الحكومات والوزارات والمجلس التشريعي والمجلس الوطني والمركزي والادارات والجمعيات والاتحادات والنقابات، وكل هذا يزيد من كاهل السلطة ممثلة في وزارة المالية التي اصبحت مسؤوله عن الصرف على هذه الفصائل وتشكيلاتها ومكاتبها وعناصرها ، خاصة بعد تجفيف مصادر مال فتح والمنظمات الاخرى التي فقدت الدعم من الدول العربية والصديقه اما بضغط من الغرب او بسبب انشغال الدول باوضاعها الداخلية .
لذلك فانني اتقدم من ابناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان بمشروع تنظيمي سياسي يتمحور في جمع كافة الفصائل المختلفة في حزب واحد هو ( فلسطين بيتٌ واحد ) يجمع اليسار والوسط واليمين، ويجمع العلمانية والدينية، حيث لا ضرر من تباين الاراء والمواقف والعقيدة والدين فيه ، إنما يكون حزب يمثل كافة الفلسطينيين من أجل تحرير فلسطين والعوده وتقرير المصير والاستقلال .
اتقدم بهذا المشروع بعد ان أصبحت القضية الفلسطينية مشرذمة بين مصالح الدول والفصائل والغايات الشخصية للأفراد ، وهذا الاقتراح والمشروع ليس بخيالي اوغير واقعي .. انما حل وسبيل للتخلص من الوضع الراهن ، وشمول كافة أبناء فلسطين في التقرير بما يريده الشعب، وكذلك حل يناسب جيل الشباب غير المؤطرين الذين لم يعودوا يهتمون او يقتنعون بالانتماء الى الفصائل، وذلك لعدم ايمانهم وقناعتهم بجدوى الانتماء اليها ولعدم اشراكهم في البناء والتخطيط وصناعة القرار فدفعهم ذلك الى تشكيل تجمعات ومنتديات واطر شبابية اجتماعيه وخدماتيه وانسانيه والبعض آثر الانزواء وراء عالم افتراضي خيالي هو المواقع الالكترونيه الاجتماعية بشتى انواعها للهروب من الواقع وللتعبير الحر عن فكره وسد احتياجاته .
اتقدم بهذا المشروع مع يقيني بأن من سيعارض الوحدة السياسية والتنظيمية وهذا المشروع الوطني سيكونون من المتزمتين للفصيل وليس للوطن ، من الذين يعيشون ويتكيفون وفق المكتسبات السياسية والتنظيمية والوظيفية التي حصلوا عليها داخل الحزب والتنظيم والفصيل والاتحاد والمجلس تبعا لإنتمائهم الفصائلي.
وايضا الى الذين سيتخوفون من الفكرة وسيشككون في امكانية نجاحها فاقول لهم: اذا نظرنا حولنا واطلعنا على تجارب سابقة في هذا المجال فإننا نرى أن الحزب الواحد ليس بمسيئ للديمقراطية ولا التعدديه ولا يؤدي إلى تغليب فئة على أخرى ، فدولة الصين سبقتنا في توحيد الاحزاب حيث انها دولة الحزب الواحد ، وكما نراها اليوم هي أولى الاقتصادات في العالم وقطب من أقطاب القوى العالميه ، ومن أكثر الدول ازدهاراً وعمرانا ومن المتوقع ان تصبح اقوى هذه الاقطاب .
معاريف بريس
www.maarifpress.com
علي السنتريسي
نقابي وإعلامي
اريحا – فلسطين 26-1-2013