الحسين العيساتي
تحت شعار ” اترفح و سد فمك ” تخلد الامة الرأسمالية ومعها الشعب البورجوازي الذكرى الدائمة لليوم الوطني للتربُّح والترفُّح والتهرب الضريبي وضريب الطم الذي يصادف كل يوم من ايام السنة، احتفالات هذا اليوم ستكون مناسبة للوقوف على مدى التزام الجميع بالانخيـرات وبالدفع قدما كلما تطلب الامر للحفاظ على المكتسبات التي ناضل من اجلها الاباء عندما كان الأبناء يدرسون نهارا و ينهارون ليلا في ارقى المعاهد الغربية .
اختيار شعار هذا اليوم لم يأت اعتباطا ولكن جاء اعتباريا من العبرة، لما قد يحصل مع كل من سيترفح ويترك فاه فاغرا، لأن الجزاء شديد الآثر، لا يبقي ولايذر، تماما كما هو حال سقر، فالويل لمن تكلم والخير كل الخير لمن “سقر”.
العمل الليــبغالي الرأسمالي الترفحي مسلسل طويل من الكد والكيد وحدهم الليبغاليون يصبرون عليه و يتجشمون عناءه ، مسلسل قوامه الصبر على نظرة العامل البسيط المليئة بالألم والاستجداء مقابل نضرة الحدائق المنتشرة في الارجاء التي لا رائحة للمعاناة فيها اللهم روائح زكية فائحة “فواحة” كأصحابها. اقتصاد السوق لا يعترف بالأحاسيس كما لا يؤمن بآدمية اليد العاملة على عكس اقتصاد “ولاد” السوق الذي يعترف بآدمية اليد العاملة، من آدم سميث طبعا ،ويعتبرها المصدر الوحيد لثروته ولذا وجب العناية بها لحمايتها من الانقراض وحثها على بث اصول الطاعة والوفاء والولاء في نفوس الاولاد حتى يجد الخلف النبيل من يتفاخر بخدمة الجد والاب والطفل السليل لعشرات السنين دون ان يكون له الحق في ان يسعى الى تحقيق ذاته والتحليق بجناحه، وحتى وإن حاول فهناك ” اليد الخفية” ، لأدم سميث دائما، التي ستعمل على ارجاع الامور الى نصابها ونصابيها .
عندما برز لأول مرة مفهوم الضريبة على الارباح والثروة كان الهدف من ارسائها هو اشاعة العدالة في التعاملات والمعاملات، العدالة بمفهومها النبيل و التي تعطي للمستهلك الحق فيما يجنيه البائع من ارباح، لانه وعلى عكس ماقد يفتي به الاقتصاديون والمحللون يبقى المستهلك هو المصدر الوحيد والدائم للثروة، فاصحاب الثروات في تنافس دائم على قفته، واليوم الذي يدرك فيه هذا الاخير مدى اهميته وسلطته ستتغير حتما نضرة الحدائق التي تزين إقامات المرفحين، ستذبل الورود المستوردة عندما يقنن استعمال العملة السهلة حاليا والمسماة مجازا عملة صعبة ، لأن هوامش الربح الناتجة عن الاحتكار ستتقلص فاسحة المجال للجودة التي يريد لها الجميع ان تتمدد، اذ لا هوامش خيالية مع الالتزام بالجودة والاتقان وفرض الضريبة على الغنى الفاحش، فكيف يعقل ان يُحتكر توزيع الماء الذي يعتبر مادة حيوية لمجرد ان البائع ابن صالح ولا تشكل الضريبة على الاقل ثلثي رقم المعاملات، وكيف يكتنف الغموض المعايير واللبنات التي على أساسها تبنى العمارات والاقامات و تباع بهامش يفوق بعشرات المرات التكلفة رغم انها معدة لنفس تلك الفئات التي يقال انها مصدر الثروات، دون ان تكون سلسلة الانتاج واضحة وضوح الشمس وقت الضحى لكل من يمتلك مقومات الاستثمار وليست فقط حكرا على اصحاب السعادة جامعي الاموال وصيادي الفرص الذين يتبجحون بمؤسساتهم الخيرية التي تعنى بماخلفه الوندال من تراث ،غير عابئة بما تسبب فيه الاندال من ثورات، وكيف يستطيع شخص واحد مهما بلغ نبوغه وذكاؤه ودهاؤه اين يمتلك لوحده مصرفا صنف في وقت من الاوقات كتاني بيت للمال دون احتساب الرسوم المتحركة التي كانت تؤثث فضاء المعاملات المالية انذاك، دون ان يوقف سقف الربح المشروع من طموحه اللامشروع …
لهذه الاسباب وغيرها شرعت الضريبة والمكوس ، لربط الطموح بالوضوح، الدور الحقيقي للمنظم المقنن هو التطبيق السليم للقوانين وملائمتها للمستحدثات، لا النبش في الثغرات لاصطياد الفرائس من عين الذئاب، فرائس لا تجد حرجا في المقامرة بمصير بلد بأكمله مقابل حضوة او عزوة زائفة، لقد ولى الى غير رجعة زمن التباهي بالاموال و الاطيان لصالح الإتيان بما يصلح الفرد ويفيد المجتمع.
www.maarifpress.com