صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

نَعي الإمام ياسين وتميز البينين ؟

بقلم : عثمان حنزاز

لا شك أن فقدان الإمام المجدد عبد السلام ياسين يعتبر خسارة كبيرة للمغرب وللأمة العربية والإسلامية بشهادة الجميع ، فقد أجمعت الكلمات والتعازي والشهادات -التي جاءت من المشرق والمغرب- على قيمة الرجل الفكرية والتربوية والجهادية بالإضافة إلى خصاله الربانية الكثيرة . لكن بالمقابل كان هناك صوت نشاز في هذا المشهد أراد أن يحاصر الإمام المجدد حيا وميتا ، من خلال التعتيم الإعلامي على وفاته وجنازته فتم محاصرة ومنع حفلات التأبين في العديد من المدن المغربية . وكم أصابني الحزن وأنا اقرأ وأسمع أن العديد من الدول سمحت لمواطنيها أن يقيموا حفلات العزاء في بلدانهم للأستاذ عبد السلام ياسين وتم النُعِي من على منابر الجمعة في أغلب المراكز الإسلامية العاملة في الحقل الدعوي كفرانكفورت و هاناو و ماينس و دوسلدورف و برلين و دورتموند و دينسلاكن و فوبرطال و شتوتغارت و كارلسغوه و كولون و هانوف و دويسبورغ… في حين أن النظام المخزني المغربي مازال يحاصر الدعوة والداعية حتى بعد موته . لكن الذي لفت انتباهي أكثر صلاة الغائب في 17 مسجد بدولة البنين الإفريقية .هذه الدولة التي كانت غارقة في الديكتاتورية تتبع الإيديولوجية الماركسية اللينينية وهي الان دولة ديمقراطية تسمح لرواد المساجد أن ينعوا الأستاذ المرشد من على منابرها الرسمية مما دفعني أن أقرا عن تجربتها مع الديكتاتورية وكيف خرجت من الاستبداد والفساد ، أقدمها إلى كل من يهمه الأمر لكي يأخذ العبرة قبل فوات الأوان . تعرضت البينين أو (داهومي) لتسعة انقلابات خلال اثني عشر عاماً منذ استقلالها عام 1960 حتى وصفت ببوليفيا الإفريقية. كان أخر انقلاب قاده العقيد(ماثيوكيريكو) عام 1972 أطاح بالحكومة المدنية، وشكل حكومة ثورية، وبعد ثلاث سنوات انتهجت الدولة الإيديولوجية الماركسية اللينينية . بعد حكم البنين من طرف كيريكو لمدة 19 سنة جاءت الضغوط الداخلية متناغمة مع المعطيات الدولية ومتزامنة مع آخر أيام الحرب الباردة، وانهيار جدار برلين 1989 وسقوط الشيوعية، ولم يعد هناك مناص للجنرال (كيريكو) المدعو” بالحرباء” سوى أن يقبل بإرادة الشعب أو يتنحى نهائيا .ففي صمت وهدوء و بسرية تامة نزل(كيريكو) إلى المعارضة في الزنازين وحاورهم ، وصل معهم إلى قناعة أن الظروف مهيأة لانعقاد ندوة تاريخية دامت عشرة أيام جمعت كل القوى الوطنية الحية، كان شعارها “الجميع مجندون لمشروع مجتمع جديد”، شاركت فيها مختلف التيارات السياسية وكل ضحايا الحكم الديكتاتوري. وكان مكان الاجتماع بالقصر الرئاسي في فبراير 1990 ، حضر(كيريكو) افتتاحه ونهايته فقط وترك الجميع ليناقشوا مستقبل البنين في غيابه وبكل حرية ، وقد كان الرهان عليها كبيراً، واجمع الفرقاء على أن مثل هذه الندوة نادرة في إفريقيا وأن فشلها يعني الفوضى الكاملة، ورغم الحذر الشديد الذي سادها فقد تميزت بالمكاشفة والمصارحة، وسمحت بوضع أسس ديمقراطية قل مثيلها في إفريقيا، ولا تزال مفخرة لكل أهل البينين رغم بعض المآخذ. وهكذا نجحت الندوة وفرضت سيادتها على مؤسسات الدولة، وكان بيانها ملزماً للجميع، وأهم ما جاء فيها: – إنهاء الإيديولوجية الماركسية اللينينية. – حل حزب الثورة الشعبية الحزب الواحد في البلاد. – تغيير العلم وإعادته إلى سابق عهده. – اعتماد التعددية الحزبية كنهج سياسي للبلاد. – إطلاق سراح المتعقلين السياسيين واحترام حقوق الإنسان. – انتخاب رئيس حكومة للبلاد.

وبهذا كانت الندوة الوطنية للقوى الحية في البنين منطلقاً للديمقراطية إفريقية ناشئة، وقد تكرست الديمقراطية أكثر عام 1990، عندما فاز (سوغلو) اكبر معارض ليكريكو بمنصب الرئاسة في أول انتخابات حرة وشفافة قلما يحدث مثلها في العالم الثالث.و فضل القائمون على الندوة إبقاء كيريكو على رأس قيادة الجيش و إبقائه بعيداً عن السلطة ، حيث سكن في تكنة عسكرية واحتفظ بالجيش مما جعل الشعب يكن له الاعتراف، ويقدر له ذلك، وقد أكبر الشعب فيه حبه العميق للبلاد، وانه مواطن حقيقي أولاً، وهذا ما جعله ينجح في العودة مرة أخرى إلى منصب الرئاسة عام 1996 بائتلاف حكومي قوي، .وهو اليوم يحظى باحترام الجميع داخل البلاد. هذه هي تجربة البنين لمن أراد أن يقتنع بان الشعب وقواه الحية هما الضمانة الحقيقة لاستقرار البلد وان الحوار هو الوسيلة لذلك . إن الجماعة التي أسسها الإمام المجد عبد السلام ياسين كانت دائما تنادي بالحوار منذ تأسيسها سواء من خلال الاجتماع على ميثاق وطني أو من خلال وثيقة ” جميعا من أجل الخلاص” أو وثيقة “قبل فوات الأوان” وهي دعوة صريحة للجميع إلى حوار وطني جاد ومسؤول يضم جميع الأطراف ويعمل على صياغة ميثاق مؤسس لمبادئ العمل السياسي الوطني الشريف الكفيل بالقضاء على كل أشكال الاستبداد وضمان التداول السلمي على السلطة، والتأسيس لمجتمع ديمقراطي حقيقي شعاراته الأساسية الحرية والاستقلال والعدل والكرامة والديمقراطية. يحترم ويقدر علمائه ورموزه الوطنية ولا يحاصر كل صوت معارض . رحم الله الإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين وجعله في أعلى عليين مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وأكرمه الله بما أكرم به الأولين والآخرين.. والحمد لله رب العالمين.

 

معاريف بريس

www.maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads