معاريف بريس – أخبار وطنية
واهماً من يعتقد من الصحافيين أن من الجيد اختيار البرلمانيين أصدقاء، وأن الجلوس معهم لاحتساء الكؤوس وتناول وجبات الغذاء أمر مسلم به، خاصة ولما تكون أخلاقيات المهنة تتطلب الابتعاد عن كل الشبهات والعلاقات المرتبطة بالحسابات الضيقة، لأن الأصل في الطبيعة السياسية أن البرلماني ينظر إلى الصحافي الحقيقي كعدو ومراقب، وليس كحليف في الجلسات الخاصة.
إن هذا القرب الزائد يذيب الخطوط الحمراء الفاصلة بين سلطة الرقابة وسلطة التشريع، ويحول الصحافي من عين للمجتمع إلى أداة لتمرير الرسائل المسمومة وتصفية الحسابات السياسية مقابل امتيازات واهية وهالات قرب زائفة.
ولعل خطورة هذا التماهي تزداد وضوحاً حين نرى كيف ينعكس سلوك بعض البرلمانيين، خاصة من فئة رجال الأعمال، على محيطهم المهني والاجتماعي؛ حيث ترتبط معاملاتهم دائماً بالبحث عن الإيقاع بالآخر. ففي معاملهم وشركاتهم، يتكرر سيناريو فبركة الملفات للكاتبات والمحاسبين والعمال، والضغط على الزملاء لتقديم شهادات زور بهدف سلب الضحايا حقوقهم المشروعة عند الطرد التعسفي، مستغلين نفوذهم وعامل الزمن وتكلفة التقاضي، في ظل غياب إحصائيات رسمية تنصف هؤلاء التقنيين والمحاسبين ضحايا الشكايات الكيدية لهذه الشركات.
هذا الواقع يؤكد المقولة الشعبية بأنه لا يوجد في القنافذ أملس، لكن الطامة الكبرى تقع عندما تتحول إدارة البرلمان نفسه، بفعل فاعل، من صرح للاجتهاد التشريعي إلى ساحة للفساد وصناعة المكائد وتأمين المصالح الخاصة. والسبب المباشر في هذا التردي يعود إلى اللحظة التي أصبح فيها منصب الكاتب العام للبرلمان يعين بالولاءات الحزبية والمحاصصة السياسية بدلاً من الكفاءة والحياد، مما جعل كل شيء مباحاً داخل هذه المؤسسة السيادية.
لقد ظل هذا المنصب الاستراتيجي، الذي يمثل المحرك الإداري والمالي الثابت للمؤسسة، بمثابة أصل تجاري وحكر على أحزاب بعينها كالاتحاد الاشتراكي لسنوات طويلة، واليوم، وبعد أن رحل عبد الواحد الراضي وأقعد المرض الحبيب المالكي، أصبح السؤال الجوهري والمصيري مطروحاً بشدة على الدولة: هل حان الوقت لإعادة قطار إدارة البرلمان إلى سكته الصحيحة؟
إن المصلحة العليا تقتضي اليوم إنهاء زمن “الريع الحزبي” في المناصب السيادية، وإسناد مهمة الإدارة البرلمانية إلى أطر تكنوقراطية محايدة ومستقلة عن الأحزاب، لتجفيف منابع المكائد وإعادة الهيبة لمؤسسة تشرع للمغاربة، عوض أن تترك رهينة لصفقات وحسابات سياسوية ضيقة.
معاريف بريس htpps://maarifpress.com