شهد الشارع المغربي انتفاضة شعبية عارمة تجسدت في مسيرات ووقفات بمختلف المدن المغربية ، كانت أبرزها مسيرتا الرباط المنظمة من طرف الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة ، والدار البيضاء التي دعت لها مجموعة العمل الوطنية لمساندة العراق وفلسطين و الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني بالإضافة إلى أحزاب سياسية ومنظمات نقابية ومجتمع مدني وجميع التيارات بمختلف مشاربها ، احتجاجا على سياسة التهويد الممنهجة من طرف الكيان الصهيوني قصد تحويل القدس إلى عاصمة أبدية لإسرائيل. هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عمق قضية القدس الشريف في قلوب و أذهان المغاربة ، فضلا على أنها محور مشترك بين مختلف المكونات السياسية إطلاقاً و اتفاقاً ، رغم سياسة التطبيع الخفية -الجلية- مع النظام الصهيوني الاستيطاني.
ومن المفارقات العجيبة التي أسالت المداد لدى المتتبع المغربي ، ذاك الموقف الازدواجي للحكومة التي تستقبل مسؤولا إسرائيليا وتدعو في نفس الوقت إلى المشاركة في مسيرة نصرة القدس وفلسطين ، دون أن يصدر عنها أي موقف لتوضيح حيثيات مشاركة الوفد الإسرائيلي في اجتماع الجمعية البرلمانية الأورومتوسطية أو على الأقل تعتذر عبره للشعب المغربي . مرة أخرى يُطرح السؤال عن مدى إجرائية مبدأ الشفافية و الوضوح و الحكامة السياسية المتجسدة في الصدق الخطابي الأمين ، لأنه ليس من الإنصاف أن نستغفل شعبا علّق آماله على حكومة ارتضاها طوعا أو كرها ، كما أنه ليس من المنطق لحزب طالما ندّد ضد التطبيع مع الصهاينة أن يكون مع الضحية و الجلاد في آن واحد . لكن إذا تعمقنا في متلازمة استوكهولم قد نجد تفسيرا نفسيا لهذه الوضعية المزدوجَة ، ففي بعض الأحيان و عندما يحس الضحية بأنه فاقد للإرادة لا يملك السلطة وأن الجلاد الذي يتحكم في شأنه، يستطيع أن يفعل به ما يشاء ، يكون عندئذ أمام اختيارين: إما أن يدرك عجزه وعدم قدرته ويتحرى الفرصة حتى يتقوى ثم يتحرر من القمع ، وإما أن يفرّ من إحساسه المؤلم بالعجز وذلك بأن يتوحد نفسيا مع الجلاد ويتعاطف معه.
كما أن مرض استوكهولم لا يصيب الأفراد فحسب بل يتعداهم إلى الجماعات و الشعوب ، فالشعب الذى يعاني من الاستبداد والاستعباد لفترة طويلة قد يُصاب بعض أفراده بهذا المرض فيتوحدون نفسيا مع من يقمعهم ويذلهم، ويعتبرون الاستبداد شيئا إيجابيا وضروريا لاستمرارية الحياة .
يوسف الادريسي
معاريف بريس
www.maarifpress.com