إن إلقاء نظرة موضوعية على مشاريع الميزانيات الفرعية المخصصة لمجموع القطاعات الاجتماعية، يبين بوضوح أن هذه القطاعات لا تشكل أولوية في السياسة الحكومية، ولا تحظى بالاهتمام اللائق بها كقطاعات تمس بشكل مباشر حياة فئات عريضة من المواطنين، وخاصة الطبقات محدودة الدخل والإمكانيات، بل إن الحكومة تعتبرها مجرد قطاعات ثانوية مقارنة مع هاجس التوازنات الكبرى. ويمكن الاستدلال على هذه الظاهرة من خلال المعطيات الواردة في المشاريع المقدمة في قانون المالية 2016.
بالنظر إلى الميزانية الإجمالية المخصصة للقطاعات الاجتماعية، ودون الدخول في التفاصيل أو التذكير بالأرقام، نسجل أنها جد متواضعة، وأن النسبة التي تشكلها مقارنة مع الميزانية العامة للدولة لا تعكس حقيقة الأشياء، نظرا لكونها تتوزع على تسعة قطاعات تتفاوت في الأهمية والحجم، وأغلبها لا يصل إلى نسبة 1 في المائة. أما الشق الأكبر فتستحوذ عليه وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، والتي تصب ميزانيتها، بدورها، في الكتلة الأجرية ولا تُسهم في النهوض بالقطاع في بعده الاجتماعي.
فضلا عن هذا، يُصرف جُل الميزانية في نفقات التسيير وخاصة في أجور الموظفين والأعوان والتدبير اليومي للوزارات ومصالحها. أما ميزانية الاستثمار فتبقى دون الطموح.
إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذه الميزانية تتفتت وتتجزأ إلى كل القطاعات الاجتماعية بتبويباتها وتفاصيلها الصغرى جدا، وفق عمليات تقنية حسابية صِرْفة وروتينية، يكون من العبث انتظار نتائج اجتماعية إيجابية من ميزانية بهذا الحجم، ومن صرفها بطريقة إدارية عقيمة، وفي غياب سياسة مالية اجتماعية ذات غايات تنموية.
إذا كانت هذه المعطيات تثبت بما لا يدعُ مجالا للشك، أن القطاعات الاجتماعية لا تشكل أولوية في السياسة الحكومية، فإن من شأن الوقوف عند حصيلة العمل الحكومي في المجال الاجتماعي، وبرامج العمل المقترحة لسنة 2016، أن يوضحا هذا الاختيار. وهذه ملاحظاتنا حول كل قطاع، انطلاقا من دراستنا لحصيلته وبرنامج عمله:
1. بالنسبة لوزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، نسجل أن وضعية هذا القطاع المتواضع جدا، ميزانيةً وحصيلةً والاستمرار في نفس البرامج، وغياب نتائج ملموسة على أرض الواقع، وغياب المقاربة الجريئة التي تتجاوز المنظور الإحساني، لا يمكننا أن ننتظر تحسنا على مستوى الخدمات المقدمة للفئات المستهدفة.
2. في ما يتعلق بقطاع التشغيل، وباستثناء إعداد استراتيجية وطنية للتشغيل لا تزال في مستوى الحلم، ولا تشكل أية حصيلة ملموسة، نلاحظ أن حصيلة برامج إنعاش التشغيل، ومواصلة نفس البرامج، بنفس المنهجية ونفس الآليات، فضلا عن ضعف التمويل والموارد، في مقابل سوق للشغل متحرك وغير قابل للرصد، محكوم بالظرفيات والتقلبات الاجتماعية والاقتصادية، حقائق تجعلنا نتساءل عن مدى قدرة البرامج الحكومية واستراتيجيتها على الاستجابة للأعداد المتزايدة للعاطلين المؤهلين. أما غير المؤهلين فلا مجال لهم في هذه المقاربة.
3. في ما يخص قطاع التكوين المهني، نسجل أن كل العمليات المرتبطة بقطاع التكوين المهني تظل محكومة بالنهج الاستمراري، وباستثناء الدعم الموجه إلى المساهمة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والاهتمام المحدود بالتكوين بالتدرج، يظل هذا القطاع موجها لدعم الاستثمار، وتعزيز الاستراتيجية القطاعية، ومواكبة متطلبات السوق إلى اليد العاملة المؤهلة، ويفقد وظيفته الاجتماعية.
4. أما بالنسبة لقطاع الشباب والرياضة، فيتضح حجم الطموح لدى الحكومة في تدبير قطاع الشباب والرياضة، والذي يعاني من قصور بنيوي، يتمثل في غموض المجال، وضبابية الرؤية، وعدم التوازن في المقاربة. بحيث يعطي الأولوية لقطاع الرياضة على قطاع الشباب، ورياضة النخبة على الخصوص، ويوجه الاهتمام إلى التسويق الإعلامي، والبنيات التحتية الكبرى، وإهمال الرياضات القاعدية، والبنيات الرياضية للقرب ولعموم المواطنين.
5. بالنسبة للقطاع الصحي، يبدو من خلال الحصيلة والبرنامج أن الحكومة تتعامل مع القطاع وكأنه منسجم، مضبوط، مشاكله معروفة، وحاجياته محددة؛ وأن البرامج والسياسة الحكومية المتبعة هي الأكثر فعالية ونجاعة، ولا تحتاج إلى تطوير أو تغيير، بل تستوجب الصيانة والمحافظة والتعزيز والتفعيل. وهو بالتالي ترجمة فعلية لسياسة المحافظة والاستمرار. لهذا اختصرت الحكومة المشكل في العرض الاستشفائي، وفي النقص في الخدمات، وفي ضعف الحكامة والموارد المالية البشرية، ومن هنا ينحصر دور البرامج على تجاوز الخصاص.
6. أما قطاع التربية الوطنية، وباستثناء الحديث عن الرؤية الاستراتيجية ورافعاتها، وعناوينها الكبرى، وبرامجها التي لا تملك أي تأثير على المنظومة التعليمية المتردية والعقيمة حسب جميع التحاليل والمقاربات؛ يتضح أن الحكومة لم تجعل من التعليم أولوية الأولويات، وأن واقع المدرسة المغربية الموْسوم بتزايد عدد التلاميذ، والنقص الرهيب في بنيات الاستقبال والتجهيزات الضرورية، وتفاقم ظاهرتي الاكتظاظ والهدر المدرسي، وغير ذلك من مظاهر العجز والفشل، لا يمكن صباغته بالعبارات والشعارات الرنانة، أو المخططات المثالية بعيدة المدى.
7. بالنسبة للتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، الذي تقتصر حصيلته وبرنامج عمله على الاستجابة على تدبير الخصاص، والقيام بإصلاحات جزئية وتقنية،لي س لها أي تأثير على تطوير البحث العلمي، والارتقاء بمردودية وجودة الجامعة المغربية وإشعاعها، وقدرتها على المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلادنا.
8. في مجال قطاع الثقافة، وبالنظر إلى الحصيلة والبرنامج نلاحظ أن المقاربة السائدة هي مقاربة قطاعية تجزيئية تعتبر الثقافة مجالات متفرقة، ويتم تسيير كل مجال على حدة، تُقتطع له حصة من الغلاف المالي المخصص للقطاع ككل، ويؤثر هذا كنتيجة على هيكلة الوزارة، مما يطرح التساؤل عن السبب في الاحتفاظ بها كجهاز قائم الذات، ويُصبح من غير الوارد الحديث عن وظيفتها الاجتماعية.
9. أما قطاع الاتصال، فيتضح، من خلال الحصيلة والاستمرار في نفس البرامج، أن الوزارة لا تملك سياسة إعلامية واضحة كفيلة بالنهوض بالقطاع، بل يقتصر دورها على التقنين والتأطير وعلى التدبير اليومي للقطاع، وتوزيع الدعم على قطاعات متباعدة، تحتاج إلى هامش كبير للحرية والاستقلالية، والحياد الحكومي.
هكذا يتبين أن برامج القطاعات الاجتماعية تفتقر إلى الجرأة والإبداع، لبناء سياسة اجتماعية طموحة ومندمجة تستهدف تحقيق التنمية الاجتماعية. بل إن برامجها مجرد اجترار للبرامج والاستراتيجيات القطاعية السابقة. لا يتوقف الأمر عند المستوى التقني المرتبط بالبرمجة ومواصلة تنفيذ العمليات تنفيذا حرفيا، بل يتعداه لينعكس على التصور وعلى بناء السياسة الاجتماعية، والتي تتسم بما يلي:
– تغلب على التصور النظرة القطاعية التجزيئية، الخاضعة لهيكلة القطاعات الوزارية، أي أنه مجرد تكييف للبرامج مع التنظيم الداخلي للقطاع، بحيث تحافظ الهيكلة على عناصرها وبنياتها ومشاكلها واختلالاتها، مما يجعلها تتبخر في التسيير اليومي. أي أننا نشتغل بمنطق الإدارة وليس بمنطق المشاريع، التي تتطلب هيكلة مرِنة مرتبطة بحياة المشروع الموجهة إلى حين تحقيقه.
– يقف هذا المنطق التفكيكي عائقا أمام بناء السياسة الاجتماعية الملائمة، ويمنع من المقاربة المندمجة التي تقوم على الالتقائية بين القطاعات، وتوجه كل البنيات والعمليات والبرامج نحو غاية محددة ونتيجة مرجوة، تُتخذ مقياسا لتقويم السياسات وتطويرها؛ بل إنه يؤدي إلى نتائج معاكسة وآثار جانبية سلبية لقطاع على غيره، بحيث يهدم برنامج ما بناه البرنامج الآخر، أو إلى نتائج مناقضة تماما، الأمر الذي ينتهي إلى إخفاق التصور وفشل السياسة الاجتماعية. وفي نهاية المطاف تكون النتيجة هي المنطلق.
– من هنا تكون مشاريع قوانين المالية المخصصة للقطاعات الاجتماعية، مجرد استنساخ لما سبق، بدن تميز أو أفق أو طموح؛ إذ يتم الانطلاق من وضعية مأزومة، وتتم مقاربتها بنفس السياسات والمناهج التي أنتجتها أو ساهمت في إنتاجها أو حافظت على استمرارها وترسيخها، فيعاد إنتاج نفس الوضعية المنطلق منها، بل لا تزداد إلا عمقا وخطورة وتأزيما. فتدبير الأزمات لن يُنتج إلا الأزمات. بهذا تكون الحكومة بعيدة عن بناء سياسات اجتماعية، توفر الخدمات الاجتماعية الأساس من تعليم وصحة وتشغيل وأمن اجتماعي، وتتحكم في توزيع الثروات لضمان العدالة الاجتماعية، وتدعيم الاستقرار والتماسك الاجتماعي، وتثمين الرأسمال البشري، وتعزيز الاقتصاد الإيجابي. أي بناء سياسة اجتماعية تربط بين النمو الاقتصادي وبين التنمية الاجتماعية.
معاريف بريس
www.maarifpress.com