معاريف بريس – أخبار البرلمان
من الغباء السياسي والتحليلي اختزال أزمة الفساد المستشري في البرلمان المغربي اليوم في واجهة هزلية بطلها “صحافي متلبس برشوة ألفي درهم”، سارع المشتكي بعدها لتقديم التنازل.
إن هذه النازلة، التي أُريد لها أن تكون “شماعة” يُعلق عليها فساد المؤسسة، تكشف في عمقها عن خلل بنيوي خطير؛ فبدل أن يُجتهد لتوقيف البرلماني نفسه بتهمة “إزعاج السلطات” واستغلال النفوذ بعد هذا التنازل السريـع، تم توجيه السهام نحو الجسم الصحافي، في محاولة بائسة لجلد الصحافة وتغطية الشوهة الكبرى التي تعيشها تسيير الإدارة البرلمانية.
الصحافيون ليسوا هم المسؤولين عن تحويل قبة البرلمان إلى وكر للفساد، والرشوة، وتجارة المخدرات. المسؤول الحقيقي هو “فساد الاختيارات البنيوية” التي أفرزت النخب الحالية. ولكي نقف على مكمن الخلل، لا يحتاج المرء إلى تدقيق عميق أو مجهر سياسي، بل يكفي فقط النظر إلى من يرأس الولاية التشريعية منذ عام 2021، لندرك كيف تم إفراغ المؤسسة من هيبتها الدستورية لصالح حسابات سياسوية ضيقة.
الولاية التشريعية الحالية: أرقام قياسية خلف القضبان
لم تشهد المملكة المغربية، منذ أول ولاية تشريعية في تاريخها الحديث (1963-1965)، سقوطاً مدوياً لنخبة برلمانية كما يحدث في هذه الولاية الحالية. إن حجم البرلمانيين المعتقلين والمتابعين في حالة سراح أو خلف القضبان بتهم ثقيلة—تتنوع بين الاتجار الدولي في المخدرات، تبييض الأموال، اختلاس المال العام، والتزوير—يعكس تحولاً جذرياً في وظيفة النائب البرلماني؛ فبدل أن تكون القبة ساحة لإنتاج التشريع ومراقبة العمل الحكومي، تحولت لدى البعض إلى “حصانة لحماية الأنشطة المشبوهة” ودرع يقي من المتابعة القضائية.
“الصندوق الأسود” والفساد الإداري: إمبراطورية الكاتب العام والخفافيش
الفساد في البرلمان ليس سياسياً وفردياً فحسب، بل هو فساد إداري متجذر وممنهج، يتغذى على منطق “الريع الإداري”. وتتجلى أبرز تمظهرات هذا الفساد في الإبقاء على الكاتب العام للبرلمان في منصبه دون إحالته على التقاعد، وكأنه “صندوق أسود” لا مجال للمساس به أو فتحه، يحمل أسرار الصفقات والولاءات والتوازنات الخفية داخل الإدارة.
هذا التكتم الإداري يوازيه تحرك عناصر من ديوان الرئاسة يشتغلون في العلن كمسؤولين، وفي العمق كخفافيش ظلام تخدم شبكة عنكبوتية معقدة. هذه الشبكة تتخصص في:
اقتناص الصفقات العمومية وتوجيهها لشركات ومكاتب محظوظة.
تبديد أموال دافعي الضرائب في تمويل مجلات ومناشير دورية لا يقرأها أحد، ولا الغاية منها سوى تدوير الأموال وتوزيع الغنائم على المقربين.
صناعة الولاءات: بطائق الاعتماد كأداة للمساومة
يمتد هذا الأخطبوط الإداري والسياسي ليسيطر على طريقة منح بطائق الاعتماد لوسائل الإعلام والصحافيين. فلم تعد هذه البطائق تُمنح بناءً على معايير المهنية والكفاءة والاستحقاق لنقل الحقيقة للمواطن، بل تحولت إلى أداة للمساومة، وتوزيع العطايا، وصناعة جدار صد إعلامي يحمي الفاسدين، ويقصي الأصوات الحرة التي ترفض الدخول في “الشبكة العنكبوتية” للبرلمان.
أبو ميسون
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com