معاريف بريس – أخبار البرلمان
تقتضي إدارة المؤسسات الدستورية الكبرى حسًا عاليًا بالمسؤولية، وإلمامًا دقيقًا بالمساطر التشريعية، واحترامًا صارماً للوثيقة الدستورية التي تُنظم عمل سلطات الدولة.
غير أن ما شهدته أروقة مجلس النواب في تعاطي رئاسته مع مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، كشف عن مستوى غير مسبوق من الاستهتار الإداري والتشريعي، يضع رئيس المجلس، راشيد الطالبي العلمي، في مرمى النقد الحاد ومواجهة مباشرة مع مبادئ دولة القانون.
إن إحالة مشروع قانون مصيري يهم أسرة الدفاع وعدالة البلاد بشكليّة “مبتورة” إلى الأمانة العامة للحكومة أو الجهات المختصة، والاعتماد الهجين على تقرير لجنة العدل والتشريع والإنعكاسات الخارجية بدلاً من النص النهائي الكامل المعتمد والمصادق عليه من قبل كلا المجلسين (النواب والمستشارين)، لا يمكن وصفه سوى بـ “السلوك الهواة” وارتجالية لا تليق بمؤسسة في حجم البرلمان المغربي.
لم يكن إقرار المحكمة الدستورية ببطلان أو عدم دستورية الخروجات المسطرية المرافقة للمشروع مجرد تفصيل قضائي عابر، بل جاء بمثابة صفعة قوية لرئاسة مجلس النواب وتعرية صريحة للجهل بالقواعد التشريعية الأساسية.
المؤسسة الدستورية السامية أعادت النصاب إلى نصابه، مؤكدة أن التشريع ليس مضماراً للاجتهادات الفردية أو تقصير الموظفين، بل هو إرادة أمة صريحة تُترجم عبر التصويت الدستوري الصحيح في كلا الغرفتين. وإن السقوط في مثل هذه الأخطاء البدائية يعكس حالة من “الكسل الإداري والسياسي” لدى إدارة المجلس التي يُفترض فيها الحِرص على كل حرف يُصاغ تحت قبتها.
إن هذا الخلل المسطري الصارخ لم يستهدف القواعد الدستورية فحسب، بل امتدت آثاره الجسيمة لتضرب في عمق مرفق العدالة:
تأزيم وضع أسرة الدفاع: إدخال قطاع المحاماة في دوامة من التوتر والاحتقان المستمر بسبب نصوص مبتورة وضبابية مسطرية.
إرباك المحاكم: تعطيل سير العدالة وتأخير مصالح المتقاضين الذين يدفعون ثمن العبث والارتجال التشريعي من حقوقهم وزمنهم القضائي.
إهدار الزمن التشريعي: تضييع جهود ووقت المؤسسة البرلمانية في معارك مسطرية كان يمكن تفاديها بحد أدنى من الانضباط والمهنية.
إن قيادة البرلمان ليست منصبًا تشريفيًا ولا موقعاً للتدارين، بل هي أمانة تسلتزم إحاطة شاملة بالدستور وبالمساطر البرلمانية. وما وقع في ملف قانون المحاماة يفرض على راشيد الطالبي العلمي الخروج من صمته وتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذا الارتباك الذي أضر بمهيبة المؤسسة التشريعية وأربك مرفق العدالة برمته.
إن احترام المؤسسات الدستورية والتشريعات الوطنية ليس خياراً بل واجباً، وأي مساس به يتجاوز حدود الخطأ الفردي ليصبح تهديداً لمصداقية البناء الديمقراطي والسيادة التشريعية في البلاد.
ابو ميسون
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com