معاريف بريس – قضايا وآراء
حميد غونو
أحيانا لا تحتاج المجتمعات إلى تقارير استخباراتية طويلة كي تكتشف أن شيئا ما قد اختل في أعماقها. تكفي صورة واحدة، صورة صادمة تناقلتها منصات التواصل الاجتماعي، يظهر فيها أحد الأشخاص وهو ينحني ليقبل رجل أحد شيوخ الزوايا، في مشهد بدا لكثيرين أقرب إلى استعراض للخضوع منه إلى تعبير عن المحبة والاحترام. وقد ازدادت وطأة الصورة لأنها جاءت في ظرف كان فيه مغاربة آخرين، وفي مقدمتهم شباب، مازالوا يظهرون في صور أخرى وهم يتدافعون نحو سبتة، بحثا عن أفق آخر، أو هربا من واقع لم يعد، في نظرهم، يقنعهم بما يكفي للبقاء.
بين الصورتين مسافة جغرافية شاسعة، لكن بينهما سؤال واحد ، ماذا حدث لنا؟!

كيف انتقل التصوف المغربي، الذي كان في لحظاته المضيئة مدرسة للأخلاق والتواضع وتزكية النفس، من مجال التربية والسلوك إلى بعض مظاهر التبجيل المبالغ فيه، والتنافس على المشيخات، والبحث عن الوجاهة والنفوذ، وكيف أيضا تحولت بعض الزوايا، التي كانت ذات يوم منارات للعلم والإرشاد والأمن الروحي، إلى فضاءات تثير أسئلة مشروعة حول ما آلت اليه اوضاع التصوف، بل حول معنى المشيخة نفسها ؟

بنعجيبةليس السؤال هنا موجها إلى التصوف في جوهره، وإنما إلى بعض المتصوفة في ممارساتهم المعاصرة. فالتصوف المغربي، في أصله، لم يكن طقسا للفرجة ولا سلما للترقي الاجتماعي، ولم تكن المشيخة نظاما للحكم أو وجاهة تورث كما تورث الأملاك. والتركات . كان التصوف، قبل أن يصبح طرقية وأسماء وسلاسل، تربية للإنسان على الإنسان.
فالمعنى العميق للتصوف يبدأ من الحديث الشريف: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ومن هنا جاءت فكرة التخلية والتحلية، تخليالإنسان عن رذائل النفس، وتحليته بمكارم الأخلاق. وكان الطريق إلى الله يبدأ من إصلاح السلوك، لا من كثرة المظاهر؛ ومن تهذيب النفس، لا من تعظيم الأشخاص؛ ومن العلم والعمل، لا من استعراض الكرامات والاتباع .
لهذا كان الشيخ في التصوف المغربي التقليدي مربيا وعالما، يحفظ القرآن ويعلم الناس أمور دينهم، ويهدي السالك إلى الطريق، ولم يكن سيدا على رقاب المريدين. كما كانت الزاوية مدرسة ومسجدا ودار ضيافة ومجالا للتكافل، بل كانت في بعض مراحل التاريخ أشبه ببرلمان اجتماعي غير مكتوب أو مدستر، يحضر فيه الشيخ باعتباره مرجعا روحيا وعالما وصاحب كلمة مسموعة في شؤون الناس.
ولم تكن الزوايا مجرد مؤسسات دينية منعزلة عن المجتمع. لقد اضطلعت بأدوار اجتماعية ووطنية، وأسهمت في حماية الثغور، وفي تعبئة الناس حول ثوابت البلاد، وفي نشر التعليم وتحفيظ القرآن وتكوين العلماء. ومن خلال هذا التداخل بين الدين والمجتمع، أصبح التصوف أحد روافد القوة الناعمة للمغرب، وأحد الجسور التي عبر منها الإسلام السني المالكي الأشعري إلى عمق إفريقيا.
وحين نتأمل تاريخ المغرب وإفريقيا، ندرك أن هذا الإشعاع لم يكن وليد المصادفة. فقد كان علماء ورجال تصوف مغاربة يحملون معهم القرآن والعلم والمذهب والسلوك، فينشئون المدارس والزوايا، ويعلمون الناس، ويؤسسون تقاليد دينية ما زالت آثارها حاضرة في عدد من البلدان الإفريقية.
ومن هذا الرصيد التاريخي تشكل جزء من الخصوصية الدينية المغربية التي تقوم على تلازم العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني وإمارة المؤمنين.
ولذلك فإن الحديث عن التصوف ليس حديثا عن زاوية هنا أو طريقة هناك، بل عن جزء من الذاكرة الدينية والحضارية للمغرب.
أما حين تصبح المشيخة مجالا للصراع، وحين يتحول المريد إلى تابع شخصي، وحين يصبح اسم الطريقة عنوانا للنفوذ، فإننا نكون أمام شيء آخر غير ذلك التصوف الذي عرفه المغرب.
والسؤال الأكثر إزعاجا هنا : منذ متى كان التصوف يورث للأبناء؟
هل القرب من الله إرث عائلي ؟ هل التقوى تنتقل بالدم ؟، وهل يمكن أن يصبح شخص شيخا لمجرد أنه ولد في بيت شيخ زاوية ؟ إن القرآن لا يترك مجالا للالتباس حين يقول: “ إن أكرمكم عند الله أتقاكم “. فالمعيار هو التقوى، والعلم، والعمل، والاستقامة، وليس النسب ولا الاسم ولا الشهرة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب التصوف هو أن يتحول من تربية روحية إلى بنية للامتياز الاجتماعي أو السياسي. عندها لا يعود المريد يبحث عن تزكية نفسه، بل عن رضى الشيخ؛ ولا يعود الشيخ منشغلا بتربية المريد، بل بتكثير الأتباع. وحينها تبدأ الطريق في فقدان معناها، لأن العلاقة الروحية تتحول تدريجيا إلى علاقة ولاء شخصي.
إن التصوف الذي علم الناس التواضع لا يمكن أن يكون مبررا لإذلال المريد، ولا يمكن أن تكون محبة الشيخ مرادفا لإلغاء شخصية المريد.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض المظاهر الاحتفالية بدأت أحيانا تستعير أشكالا من المراسيم والبروتوكولات الملكية الرسمية، بما قد يوحي بأن المشيخة أصبحت مؤسسة مستقلة لها طقوسها الخاصة في السلطة والهيبة. وهنا لا بد من التمييز بين الاحترام المشروع وبين صناعة هالة شخصية تتجاوز حدود التربية الدينية.
لقد نجح المغرب تاريخيا في بناء نموذج ديني له إشعاعه، حتى أصبح اليوم يصدر تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، ويحتضن عبر مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة جسورا علمية وروحية مع عدد كبير من البلدان الإفريقية. وهذا الرصيد لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد صورة رسمية، بل يحتاج إلى حماية دائمة من كل ما يمكن أن يشوه معناه.
وهنا يبرز سؤال الدولة، وبالأخص وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، باعتبارها الجهة المكلفة بتدبير الشأن الديني وحماية ثوابته في إطار إمارة المؤمنين: هل آن الأوان لفتح نقاش هادئ ومسؤول حول وضع بعض الطرق والزوايا ومظاهر الممارسة الصوفية اليوم ؟
ليس المطلوب محاربة التصوف، ولا التضييق على الزوايا، ولا مصادرة حق الناس في التدين وفق اختياراتهم المشروعة بما يتماشى مع ثوابت الأمة، المطلوب هو شيء أبسط وأعمق وهو إعادة التصوف إلى أصله ونبعه، وذلك بالتنظيم ولا شيء سواه. إعادته إلى التربية قبل الطقوس. إلى العلم قبل المشيخة، إلى مرآة تعكس الوجه الديني المشرق للمغاربة الذي كان عليه التصوف المغربي. إلى التواضع قبل الوجاهة. إلى خدمة الناس قبل تكثير الأتباع. إلى تزكية النفس قبل تعظيم الشيخ.
فالتصوف المغربي الذي حمل نور الإسلام إلى إفريقيا، والذي ساهم في بناء الشخصية الدينية المغربية، يستحق أن يحمى من الذين يسيئون إليه باسمه أكثر مما يحتاج إلى الدفاع عنه في وجه خصومه.
ولعل الرسالة السامية لجلالة الملك محمد السادس إلى المجلس العلمي الأعلى، الداعية إلى تنظيم احتفالية وطنية كبرى بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما تحمله من دعوة إلى جعل السيرة النبوية مشروعا حضاريا ومنارة تهتدي بها الأجيال، تتيح لنا فرصة لاستعادة السؤال الأكبر، أي تدين نريد أن نورثه لأبنائنا ؟
تدينا يربي الإنسان على الرحمة والكرامة والاستقامة، أم تدينا تختزل فيه الروحانية في طقوس الأشخاص؟
إن التصوف، إذا عاد إلى أصله، خصوصا في خضم التحولات الحضارية العالمية بما يطبعها من قلق، يمكن أن يكون مدرسة كبرى لاستعادة المعنى في زمن تتراجع فيه المعاني. أما إذا بقي أسير الصراعات على المشيخة، وعلى المظاهر المبالغ فيها، والامتيازات والوجاهة، فإن المشكلة لن تكون في التصوف، وإنما في أولئك الذين من مختلف مواقعهم الإدارية والمجتمعية جعلوا التصوف يعاني من المتصوفة.
وبين صورة مريد ينحني لتقبيل رجل شيخه، وصراع مقزز على مشيخة زاوية، ثمة شيء أكبر من المفارقة والسقوط. ثمة إنذار صامت .
وما أحوجنا اليوم إلى مبادرة تعيد الزوايا الى طرقها السليمة، وتعيد للتصوف معناه الأول : أ ن يكون الطريق إلى الله طريقا إلى الإنسان، لاطريقا للهيمنة عليه وإذلاله.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com