صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

نظام الثنائية البرلمانية مكن المغرب من كسب رهان تجديد النحب

 

 

 

 

حتمت التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية اضطلاع المؤسسات التشريعية بأدوار ومسؤوليات، تتلازم مع مهامها الجديدة خصوصا في المجال الاقتصادي وإغناء المنظومة التشريعية بخصائص الملاءمة والتطور النوعي الذي أفرز مفاهيم متقدمة، ضمن نظريات التدابير الحديثة.

ولأن المغرب يعتبر نفسه في صلب هذه التحولات التي يقودها جلالة الملك محمد السادس بهدوء وبعد نظر عميقين، كما شهد بذلك العديد من البلدان الغربية وعواصم القرارات الدولية الوازنة وفعاليات مجتمعية غير حكومية، فقد انخرط مجلس المستشارين في هذه السيرورة، انطلاقا من إيمان جميع مكوناته بأن صيانة النهج الديمقراطي وتعزيز صرحه، يكرس الاستقرار ويضمن لخيار الديمقراطية والتنمية المتلازمين أن يسيرا جنب إلى جنب، متكاملين ومتفاعلين، يلتقيان عند نفس الأهداف، ألا وهو تكريم المواطن والذوذ عن عزة ووحدة وسيادة الوطن.

وكان طبيعيا في ضوء المتغيرات الهائلة التي حفل بها دستور فاتح يوليوز 2011، والتي ركزت على تطوير بنيات وهياكل الدولة وتكريس فصل السلط، وتوسيع اختصاصات المجالين التشريعي والتنفيذي، والاتجاه نحو التنظيم الجهوي المتقدم، أن يستأثر دور مجلس المستشارين بحيز كبير من الاهتمام، باعتباره مؤسسة تشريعية تعكس منهجية التدبير الديمقراطي واحترام إرادة الأمة المعبر عنها في صناديق الاقتراع.

والواقع أن الأفق الذي يفتحه الاختيار الديمقراطي السليم، لا يمكن الاستجابة لمقتضياته ومتطلباته، من دون إقامة صرح مؤسسات متوازنة ذات اختصاصات متطورة، ولأن المرجعية الدستورية تعتبر منطلق كل عمل وطني، فقد حرص الفصل الستون من الدستور، وهو يتحدث عن البرلمان بغرفتيه: مجلس النواب ومجلس المستشارين، على تأكيد أنهما يستمدان نيابة أعضائهما من الأمة. على اعتبار أن حق التصويت شخصي ولا يمكن تفويضه وبالتالي فإن هذا التحديد الصريح ينصرف إلى إبراز أهمية المؤسسة التشريعية ككل، دون أية تفاضلية، طالما أن الأدوار تختلف في سياقها ونهجيتها، لكنها تتكامل في نهاية المطاف على أن طبيعة تركيبته التي تشمل ممثلي الجماعات الترابية، في إطار التناسب ومراعاة الانصاف بين الجهات، إضافة إلى ممثلي الغرف المهنية ونظماتها الأكثر تمثيلية، وممثلي المأجورين، يضفي عليها أهمية بالغة في بلورة النسيج الاقتصادي والاجتماعي اذي تظل الاستجابة إلى تطلعاته هدف أي عمل تشريعي.

لكن ميزة مجلس المستشارين أنه يشكل الأرضية التي تلتقي فيها جهود الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعية وممثلي الديمقراطية الترابية، بما يؤهله لأن يخلق روافد جديدة لدعم وتمدد العمل التشريعي القائم على الحقائق الاقتصادية والاجتماعية.

لقد حرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس في كافة توجهاته وخطبه السامية، التي تشكل المرجعية الأساسية للسياسات العمومية، في أفق تشخيص المعالجات الموضوعية واستشراق آفاق المستقبل، على إيلاء مجلس المستشارين والديمقراطية المحلية بصفة خاصة والممارسات السياسية بصفة عامة عناية أكبر، لما يتسم فيه عمل هذه المؤسسات من ارتباط بالواقع المحلي والوطني، وذلك في أكثر من مناسبة إلى تفعيل الأداء الديبلوماسي للهيئة التشريعية بموازاة مع مسؤولياتها القانونية والسياسية، والانكباب على إقرار القوانين ذات الصلة بسياسة القرب التي تضمن النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتكفل قيام مجتمع متماسك ومتضامن، يتخلص من آفاق الفوارق بين الفئات والمجالات، وأنواع التشوهات الاجتماعية والخصاص الكامن في نقص التجهيزات والخدمات، خصوصا في المناطق القروية والأحياء الهامشية في المدن ومناطق الهشاشة.

وشكلت هذه التوجيهات في مراميها وأبعادها المتقدمة، ما يمكن وصفه بخريطة طريق أمام فعاليات المجتمع، وبالأحرى أمام ممثلي الأمة في المؤسسات التشريعية، وتجلت بوادر هذا التحول في تركيز عمل مجلس المستشارين على تفعيل منظومة إقرار واقتراح القوانين ذات العلاقة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية، في ضوء ما يتيحه المشرع من صلاحيات واختصاصات، على مستوى قراءة مشاريع القوانين وتفعيل الحوار بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، أو على مستوى تكريس الحضور الحزبي في المحافل الدولية.

يمكن القول أن هذه التوجيهات شكلت المحاور الأساسية لعمل مجلس المستشارين خلال الولاية السابقة، وانضاف إليها التنسيق مع مجلس النواب، بهدف قيام تكامل وانسجام في الأدوار التشريعية، بما يضمن النجاعة والمردودية الإيجابية وينوع مصادر القرار التشريعي، خصوصا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الانسان  التي أضحت تمثل أكبر تحد يواجهه العالم وليس الغرب فقط.

وعلى الرغم أن الفترة كانت شبه انتقالية، تأسيسا على مضامين الدستور الجديد، فإن حسم المجلس الدستور في استمرار دور مجلس المستشارين، ساعد في تجاوز أي مظهر للارتباك. على أن الوقائع تؤكد أن عمل هذه المؤسسة سار على النهج الصحيح في الملاءمة وفي تفعيل نظام الغرفتين التي يتيح التمعن والتكامل وتعميق الدراسة في أية مشاريع أو إجراءات، بما يؤكد أن سقف الاصلاحات الدستورية والإدارة الجيدة لرئيس مجلس المستشارين التي اعتمدت الانفتاح والحوار، فكلها عوامل أثمرت نتائج إيجابية، من شأنها أن تشكل لبنة أساسية في تأهيل العمل السياسي على جميع المستويات.

وقد اهتم مجلس المستشارين في هذا السياق بالانفتاح أكثر على المجتمع المدني ومؤسسات البحث والدراسة، عبر تنظيم ندوات خصصت لدراسة القضايا الحيوية التي تهم التخطيط وسبل إغناء الرأسمال البشري الذي أصبح اليوم من أهم معايير قياس نظام التنمية، إضافة إلى نسب النمو وتوزيع الثروة والاستفادة من الخدمات الاقتصادية والاجتماعية التي تحقق كرامة المواطنين وصونها من الإهمال والإهدار.

ومكن هذا الانفتاح من تكوين رصيد معرفي، من شأنه أن يضع أمام المستشارين الكثير من المعطيات التي تفيد في استخلاص رؤية موضوعية وتقدمية في التعامل مع مختلف القضايا المطروحة، إضافة إلى ذلك فإن تكريس البعد الدستوري في جلسة الرقابة التشريعية التي يقدم فيها رئيس الحكومة موقف السلطة التنفيذية مجال الموضوعات المثارة، مثل تحولا بارزا في تنزيل مقتضيات الوثيقة الدستورية.

بموازاة المهمة التشريعية اضطلع مجلس المستشارين برئاسة المستشار محمد الشيخ بيد الله بمسؤوليات جسيمة في التعريف بعدالة القضية الوطنية الأولى، وكان لحواراته مع نظرائه في مجالس مماثلة في بلدان أوربية وغربية الأثر النافذ في بسط الحقائق التاريخية والقانونية التي دفعت إلى حدوث تغيير إيجابي في مواقف المساندة التي يحظى بها المغرب في المحافل الدولية.

احتلت مسألة عقلنة العمل التشريعي حيزا كبيرا من الاهتمام، من خلال تنقيح وتطوير وملاءمة القانون الداخلي لمجلس المستشارين، سواء فيما يتعلق بالجلسات الخاصة أو المشتركة بينه وبين مجلس النواب أو على صعيد تنظيم عمل اللجان وتوسيع الصلاحيات والارتقاء بمجالات التنسيق والتعاون. مما جعلت حصيلة الأداء مشجعة وطموحة ترنو إلى الأفضل، بالنظر إلى راهنية القوانين التي إجازتها بقضايا اقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية.

إذا كانت الاستمرارية من سمات تواصل المهام التشريعية التي تتراكم من خلالها التجارب والاقتراحات والمبادرات البناءة، فإن الولاية السالفة لمجلس المستشارين أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن روح ومضمون البناء التشريعي، على قاعدة الغرفتين المتكاملتين، مكن المغرب من كسب رهان تجديد النخب وانفتاح الآفاق. وما التوجه الذي انخرطت فيه المملكة المغربية في نطاق التأهيل الشامل الذي يكرسه التنظيم الجهوي المتقدم، إلا دليل على آخر على أن الديمقراطية المرتبطة بالواقع هي مصدر غني وتفاعل، خصوصا وأن الديمقراطية ليست غاية في حد ذاتها، بل مجرد وسيلة لتحقيق المضمون الشامل للديمقراطية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنطلق من الواقع وتروم الارتقاء به نحو الأفضل.

 

 

 

معاريف بريس

فتح الله الرفاعي

www.maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads