صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

الأزمة الأوكرانية الروسية: دروس و عبر

إن الحالة التي وصلت إليها الأزمة السياسية بين روسيا و غريمها التقليدي أوكرانيا جديرة بالإهتمام. ليست وحدها السرعة التي تطورت بها الأحداث داخل أوكرانيا الجاذبة لهذا الإهتمام, بل أيضا فحوى مستجدات الأزمة برمتها أفرزت الكثير من الحقائق المثيرة و التي قامت بتثبيت العديد من النظريات التي كانت إلى وقت قريب مشكوك في مصداقيتها, و نسفت في الوقت نفسه نظريات كثيرة كان يعتمد عليها في رسم علاقات الدول ببعضها البعض و كأنها وحي منزل. و ما تفاجئ الجميع من ما أقدم عليه “بوتن” من تحرك عكسري إلا دليل على تلك الصفعة القاسية التي ضرب بها هذا الرجل المثير للجدل أهم أسس و أدبيات العلاقات الدولية. كما بخر بها جل الإستشرافات و سيناريوهات مخرج الأزمة الأوكرانية التي بنيت على أسس بالية عفى عنها الزمن


كل القراءات المتأنية لتسلسل الأحداث الأخيرة داخل أوكرانيا و ما حولها, أجمعت عن تأسيس حقبة جديدة من تاريخ العلاقات بين الدول. حقبة شملت كل أشكال  المجموعات و الإرتباطات البينية من تحالف و تنازع و تعاون و إتحاد


ما جعل الأزمة الأوكرانية مفيدة كذلك هو شملها لأطراف متنوعة و متعددة, بحيث أجبرت أهم الدول و المؤسسات و المنظمات الدولية من لعب أوراقها و إظهار إستراتيجيتها الحقيقية عوض إشهار سياساتها الإفتراضية التي تعمل على تسويقها ليل نهار و ما زالت


كل هذه الأمور تفرض على الأخصائيين و صناع القرار تتبع مآلات الأزمة الراهنة بين أوكرانيا و روسيا بتأن شديد بما يساعد على إستخلاص العبر من تحرك أطرافها المباشرين و الغير المباشرين على وجه الخصوص, عوض الإكتفاء بالتكهن بمجريات النزاع و نتائجه المستقبلية. ففي تسلسل الأحداث و القرارات المتخدة مادة خصبة تفرض على جميع الدول الإعتماد عليها في إعادة قراءة علاقاتها الإستراتيجية بالمجموعة الدولية, و من تم إعادة تركيبها بناءا عن إفرازات التحرك الروسي و ما سيواكبه من ردود فعل الشعب الأوكراني و الدول الأعضاء في الأمم المتحدة, كل دولة على حدى


حتما ستصلنا مفاجئات عديدة في الأيام القادمة, لكن ما عرفه التصدع الروسي الأوكراني من صدى إلى حد الآن يوفدنا بدروس يستلزم التوقف عندها في إنتظار ما خفي من عضائم


ـ وهم إستيراد الأمن القومي من الخارج


جاءت ردة فعل أميريكا من التحرك العسكري الروسي ضد الجار الغربي مخيبة للآمال. فتفاعل أقوى حليف عسكري لكييف و من وراءه الحلف الأطلسي لم يشمل أي إجراء ميداني كما هو المعتاد سابقا. بل إكتفى بالتنديد الشفوي, إضافة إلى إجراءات ضعيفة من قبل توقيف الإجتماعات الإقتصادية و العسكرية البينية. ضعف الإنخراط الأمريكي في النزاع الروسي الأوكراني يعد بمتابة صفعة لكل الدول التي تراهن عن القوى العسكرية المستوردة كبديل عن تطوير منظومة الدفاع الوطني. و لعل أكثر البلدان إدراكا لهذه المسألة الآن دول البلطيق ـ خاصة إيستونا و لتوانيا ـ التي لم تعد تغفل لها عين, و ذلك لعلمها أن الدور سيأتي عليها, آجلا أم عاجلا, بحكم توفر ظروف تاريخية  { أقدم مستعمرات الإتحاد السوفياتي} و مجتمعية {أقلات روسية الأصل و اللغة} مماثلة لتلك الموجودة داخل أوكرانيا


ـ الغلبة للمصالح الإقتصادية في بناء العلاقات الدولية


لعب الإتحاد الأوروبي دور المتفرج, وصل حد التواطؤ, في تعامله مع الأزمة بين موسكو و كييف. من الواضح أن تخوف دول أوروبا الغربية من التبعات الإقتصادية لغضب الدب الروسي و المتمثلة في إيقاف تدفق ذهبه الأسود إلى الإقتصادات الأوروبية المتعطشة, غلب كل نقاط التماس التي تربط أوكرانيا بديموقراطيات القارة العجوز منذ فجر الثورة البرتقالية التي مهدت لإستقلال أوكرانيا عن روسيا, و لعل أبرزها المبادئ و القيم الأوروبية المتأصلة في المجتمع الأوكراني
أوروبا ـ و حفظا لمصالحها الإقتصادية ـ  أدارت ظهرها لكل التضحيات التي قام بها الشعب الأوكراني في ترسيخ أهم القيم التي تعمل بها الشعوب الأوروبية لحد العبادة, كالديموقراطية المباشرة و الإنفتاح و الحرية الفردية و غيرها


ـ الولاء للوطن يمر عبر الضمان للحقوق


بعد كل ما عاناه سكان شبه جزيرة القرم من ويلات على يد ستالين و الزعماء السابقين للإتحاد السوفياتي {تهجير قصري, تطهير جماعي, …} ها هم اليوم يستقبلون جلادهم السابق بأيد ممدودة و أذرع مفتوحة, طالبين منه الحماية و العون. و السبب في هذا هو التضييق الذي لاقاه سكان الأقاليم الشرقية و الجنوبية من الحكومات و الإدارات المركزية في كييف خلال السنوات القليلة الماضية. لقد كان سلب حقوقهم العرقية و الثقافية و اللغوية و الدينية سببا مباشرا في تخلي هؤلاء عن ولاءهم للوطن الذي احتضنهم و أنقذهم من براتين التغطرس الروسي في السابق, عملا بمقولة “وطني, هو من يصون حقوقي و يحفظ كرامتي”. لا شك أن تقاعس كييف في حماية حقوق الأقليات كان سببا  مباشرا في توجيه هذه الأخيرة لبوصلة المواطنة إلى سابق عهدها نحو الشرق


هذه بإيجاز بعض الدروس التي طفت مؤخرا على سطح النزاع بين روسيا و أوكرانيا. دروس تفرض على السياسيين و مراكز الدراسات الإستراتيجية تضمينها في أدبياتها بما يضمن قراءة صحيحة للعلاقات التي تجمع الدول في الوقت الحاضر من جهة, و مستوى التعقيد الذي وصل إليه التداخل الوثيق بين ما هو سياسي و ما هو إقتصادي و حقوقي من جهة ثانية


يعتبر العالم العربي أكثر الدول عرضة لفقدان توازنه الشامل إن لم يقم مسؤولوه بإعادة مراجعة سياساتهم الداخلية و الخارجية, و بالتالي تحديث علاقاتهم الإستراتيجية بناءا على الحقائق الدامغة التي جاء بها النزاع الروسي الأوكراني, و الذي خيم على الأمن و التوازن العالميين. هذه الحقائق و الملخصة في الثلاث عناوين السالفة الذكر تمثل العصى التي تقض مضاجع عجلة التنمية و الإستقرار العربي. فإعتماد الأقطار العربية على القوة العسكرية الأميريكية في حفظ أمنها القومي {دول الخليج على سبيل المثال}, و إعتمادها كذلك على النقط المشتركة دون غيرها من المصالح الإقتصادية و المادية في رسم تحالفاتها الإقليمية و الدولية {تحالف على أساس المذهب ـ سني شيعي ـ أو نظام الحكم ـ جمهوري ملكي ـ مثلا}, و كيلها بمكيالين في تعاملها مع مختلف الأطياف المشكلة لشعوبها {مسيحيو مصر, سنة العراق, أمازيغ ليبيا}, تارة بالترهيب و تارة بالتطميع,  لن تفض إلى الأهداف المنشودة في الأمد القريب و المتوسط, بل و سيكون لها أثر عكسي على سيادة الدول العربية, حيث يسهل إقتناصها من طرف الأعداء و إستخدامها لتركيع الحكومات القطرية, تماما كما فعلت روسيا ضد أوكرانيا مؤخرا


لقد أسدى بوتن خدمة كبيرة للحكام العرب بوضعه العالم بأسره في الأمر الواقع, و إجبار أهم القوى و المنظمات الدولية على إظهار قدراتها الحقيقية عوض التمادي في تسويق سياسات كاذبة انجلت مع أول إختبار و مواجهة حقيقيين بين قوى وازنة عرفهما العالم بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية. العيب و العار سيطال الممسكين بمقدرات العالم العربي من حكام و حكومات, إن هم  لم يستوعبوا الدرس, و استمروا في تمرير سياساتهم التقليدية و إستراتيجياتهم النمطية التي انتهت صلاحيتها مع وطئ أول جندي روسي قدمه على التراب الأوكراني



معاريف بريس

الخليل بوخال

www.maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads