الجزء الأول
الهدف من هذا التحقيق هو أولا البحث عن الحقيقة التي ربما قد ضاعت عبر السنين والقرون، منذ أن نزلت الرسالة السماوية على نبينا المصطفى صل الله عليه وسلم وثانيا تعرية حقيقة الجماعات الإسلامية التي اتخذت عدة سبل لنشر أفكار مافتئت تبتعد شيئا فشيئا عن الدين الحق القويم، الذي كرسه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، الدين الوسط، الرحيم ، البسيط، السهل الذي يؤدي إلى طريق الله وهو طريق اتفقت عليه الديانات السماوية الثلاثة، وحث بعض الديانات الغير السماوية وخصوصا منها البوذية التي تشبه كثيرا مفهوم الديانات السماوية.
فلن نتطرق في موضوعنا هذا إلى ظهور الحركات الإسلامية وتاريخها لأنه ليس همنا الآن، وإنما سنتطرق للمفهوم الذي أتت به هذه التيارات الإسلامية الجديدة القديمة ووجوه التغييرات التي بدأت ترسمها في داخل المجتمعات الإسلامية ومعاداتها لكل رأي لا يتفق معها في توجهاتها، مع العلم أن هذه التوجهات تختلف باختلاف الزمن والمكان والأهداف السياسية المرجوة منها.
فكل هذه الجماعات الإسلامية التي تكرس الإسلام السياسي تعادي الدولة المدينة دو الاتجاه الإسلامي كبلدنا مثلا إلى درجة تكفير كل مؤسساتها الدستورية كجماعة العدل والإحسان والشبيبة الإسلامية وغيرها،إما الجماعات المتحزبة كالعدالة والتنمية فإن أهدافها تصب في نفس رواق باقي التيارات ألا وهو دولة الشريعة وحكم الله وحكم الخليفة بشرع الله بمعنى دولة الخلافة لا حدود جغرافية فيها، وإنما هي الأمة التي تجمع كل شيء والواقع أن هذه الفكرة تفرق كل شيء لأنه بدون انتماء جغرافي تضمحل مبادئ الوطنية والوطن والعلم والعملة والحاكم ليحل محله خليفة الله في أرضه، هذا الخليفة أوامره مطاعة لأن مبدأ السمع والطاعة هو أول مبادئ هذه الجماعات التي تود اللعب بعقول المسلمين بالإسلام وتحط كلمة الشريعة الإسلامية في مدخل الباب بحيث من لم يتفق معهم يكون قد خالف الشريعة الإسلامية ولو كان مسلما”مؤمنا” يصلي ويصوم ويزكي وحاج لبيت الله إلى غير ذلك فبمجرد أن تناقش الفكرة فإنك تصبح كافر وتخالف شرع الله.
ماهذا التفكير الجهنمي الشيطاني الذي يختلف تماما مع ما ذكره الله في كتابه الكريم حين خاطب المؤمنين بخطابات كثيرة يطلب منا فيها استعمال عقولنا “يا أولي الألباب” “أفلا تعقلون” “أفلا تتفكرون” فبدون استخدام عقولنا لايمكننا الاهتداء إلى طريق الله، وهؤلاء يرغبون منا بتغييب عقولنا والسماء لخطابهم فقط لأنه الخطاب الذي ابتدعوه ليصلوا إلى مخططاتهم التي لا علاقة لها بالإسلام.
فكرة الدولة الإسلامية
فعند التيارات الإسلامية السياسية الدولة هي دولة دينية، دولة إسلامية ولكن هل الإسلام دين ودولة وهل الإسلام يسوس الدولة في سياساتها الداخلية والخارجية ويكون دستور، في المقابل أقول هل هذا هو دور الدين الإسلام هو الدين المسيطر على المجتمع والهوية و لايمكنه أن يتحكم في دواليب الدولة.
فالجواب على سؤال ماهي الدولة الإسلامية يجرنا إلى العديد من المتاهات فالجواب بسيط لكن عميق في نفس الوقت، ولكن ما تعريف الدولة الإسلامية والتي هي ليس دولة دينية، فالجماعات الإسلامية هي نفسها لم تستطع الإجابة عن هذا السؤال لأن هذه الأخيرة لم تجد الجواب على كيفية التعامل مع غير المسلم في الدولة الإسلامية، هل هو مواطن ويسري عليه مايسري على المسلمين في القوانين الوضعية أم لا؟. وإذا اتفقنا أن الدولة الحديثة تختلف تماما عن فكرة الخلافة التي تطمح إليها جل الحركات والجماعات الإسلامية، الخلافة استمرت في التورات من بعد الرسول صل الله عليه وسلم ولم تكن منهاج حكم الدولة. وهل شكل إدارة الدولة جزء من الدين والعلاقة بينهما وطيدة إلى درجة أنك لا تستطيع التفرقة بينهما؟
ففلسفة هؤلاء المتأسلمين أن الدولة الدينية تتعلق بالشخص والدولة الإسلامية و تتعلق بالمنهج والدولة الدينية تعني أن الحاكم أو الخليفة كل ما يقوله صح ولا يناقش أي بمعنى أن الحاكم هو ضل الإلاه وصورته في الدنيا، هذا تعريف غريب وغير منطقي و لايمكن اعتباره تماما حين نستخدم عقلنا في الوقت الحاضر والتاريخ في مجتمعنا الإسلامي وثق أن هذه الفكرة ليست صحيحة ولا يستجيب معها المسلمين، فهناك عدة حوادث مرت في التاريخ الدولة الإسلامية، تؤكد لنا أن الحاكم بالفعل لا يعزل ولا يمكن مخالفته وكلامه أمر مطاع، ولكن لماذا ثار المسلمين على حكامهم وذلك مباشرة بعد ممات الرسول صل الله عليه وسلم وقتل بعض الخلفاء الراشدين الذين عاصروا النبي واختلف معهم العديد من المسلمين، وانبثقت طوائف عدة كلها مختلفة عن بعضها لاختلاف أهدافها وقراءتها لكيفية تسير الدولة الإسلامية ويستعملون الدين لتبرير قتلهم لحكامهم والخروج عليهم في حين أنهم حين يستحوذوا على مقاليد الحكم يحرمون على الآخرين الخروج عليهم ويكفروا كل من له رأي مخالف لتسيرهم دواليب الدولة الإسلامية. وهذا يبرر لنا أن الدين ليس جزء من الدولة واستعماله في السياسة يكون غالبا لأغراض في نفس يعقوب لا تتلاءم ومفهوم الدين الإسلامي السمح العظيم.
وبعد هذا الاستنتاج سؤال يطرح نفسه وأنا على يقين أنه سيجلب عدة ردود فعل قوية، ويمكن أن يلصقوا بي تهمة الكفر بالله، وأعوذ بالله من ذلك، والسؤال هو هل كانت هناك دولة في عهد النبي صل عليه وسلم بمفهوم الدولة الحالية؟
وهذا السؤال هو السؤال الحقيقي الذي يمكن أن يوضح لنا اللبس القائم الآن وبذلك هل الرسول صل الله عليه وسلم كان رئيسا لدولة وهل الدولة الحديثة ظهرت أيام النبي صل الله عليه وسلم وهل كان الرسول نبيا فقط أدى الأمانة وبغلها ليبني بعد ذلك مفهوم المجتمع الإسلامي ونشر الدعوة في بقاع الدنيا، واستلم الأمانة بعده للمسلمين ليكملوا ما بدأه الرسول صل الله عليه وسلم والمبدأ في نشر الرسالة الإسلامية هو تكملة الديانات السماوية الأخرى وإتمام الدين الذي ابتغاه الله لنا جميعا”.
والثابت في القول أن النبي صل الله عليه وسلم لم يكن رئيسا لدولة وإنما قاد بفضل الدعوة تبليغ الرسالة الذي خلق من أجلها. مما جعل كل كتب التراث الإسلامي إلى حدود القرن التاسع عشر الميلادي لم تذكر كلمة دولة النبي حتى عام 1850م حيث أن النبي كان قائدا “للأمة الإسلامية وموجهها لتثبيت قيم الدين الإسلامي، ولم تكن انتقلت فكرة الدولة الإسلامية للمجتمع الإسلامي بعد إلا بظهور هذه التيارات المتجددة، وفقا لمناخ كان قائما آنذاك لا بتوافق مع المناخ السياسي الحالي لذلك بدأت الجماعات الإسلامية تختلق مفهوم الدولة الإسلامية بإسقاطات جديدة على الإسلام وهي أن الديمقراطية موجودة في الإسلام ورديفها هو الشورى ” وأمركم شورى بينكم” والدولة موجودة في أول ظهور الإسلام وهذا كله لكي يصبحوا مسيطرين على فكر المسلمين ويبتزوهم في دنياهم بأفكار لقيطة لم يكن الرسول صل الله عليه وسلم يدعو إليها وإنما كان ينشأ دين وأسسه وأحكامه وشريعته التي أوجدها الله في خلقه لهذا الكون.
يتبع في الجزء الثاني
حميد ن
معاريف بريس
www.maarifpress.com