صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

القمع + الخوف +فرق تسد + العجز + الفقر ينتج الثورة حرية كرامة عدالة اجتماعية

قلنا في مقالتين متتابعتين ما مفاده أن الأقلية الوحيدة في العالم العربي لا سيما في أنظمة الطغاة، هي “الطبقة الحاكمة”، وهذا يعني أن لا الأكثرية “الإيديولوجية” (اليسارية أو اليمينية أو القومية)، ولا الأكثرية “العددية” هي فعلياً أكثريات. وعندما لا تكون الأكثرية أكثرية من حيث فعلها السياسي، وإرادتها، فكيف يمكن أن تكون “الأقلية” سواء سياسية أو فكرية أو ثقافية أو دينية أقلية. فالإثنتان الأكثرية (العددية) والأقلية الأخرى، خارج هذه التصنيفات باعتبار أن كل الشعب بمكوناته وشرائحه وأدواته وطموحاته وحقوقه هو “أقلية” غائبة.


اليوم، في مصر، هناك ثورة مضادة تحاول تشويه “الربيع المصري” المنتصر، والذي يفترض أنه أزال “الحدود” الوهمية بين أكثرية “إسلامية” (سنية) وأقلية مسيحية (قبطية). هذه الثورة المضادة الهجينة من فلول النظام السابق، وبعض القوى التي تسعى لاستيعاب الثورة ومصادرتها وإعادة هيكلتها ضمن منظومات أمنية مكررة عن المنظومات الأمنية السابقة، تحاول خلط الأوراق، وإعادة التقسيمات القديمة بلبوس جديد، لأهداف سياسية آنية (الانتخابات) واستراتيجية: تسليم السلطة الى القوى المدنية على أسس ديموقراطية، يحددها الصراع السياسي بتعدديته السياسية لا بـ”تعدديته” الوهمية الدينية (الهشّة).


فالأنظمة السابقة، خصوصاً من المرحلة الساداتية (في السبعينات)، وتالياً مرحلة الرئيس مبارك، هي التي استكملت إذابة كل النتوءات الثقافية والفكرية وحتى الإيديولوجية، واختزالها في “صراع” ديني مستخدمة الأصولية (وهي كما قال المفكر المصري الكبير سمير أمين أنها حليفة هذه الأنظمة) لمحاربة الأحزاب القومية والإيديولوجية من الناصرية الى اليسارية فإلى الليبرالية. والسادات هو الذي أيقظ وأذكى نار الفتنة الطائفية بين مجموعات إسلامية وأخرى قبطية على خلفية رفض الكنيسة القبطية الموافقة على سياسته، خصوصاً فيما يخص إسرائيل وزيارته إليها. وهنا نتساءل: هل كانت “الأكثريات” (العددية) من إسلامية وقبطية وحزبية مؤيدة لاتفاقات كامب ديفيد، ولزيارة السادات تل أبيب: نقول “لا”. ولكن هل تمكنت هذه المجموعات من تغيير سياسة السادات؟ لا! ذلك لأن الشعب المصري (بفئاته كلها) تحوّل أكثرية سلبية أي أقلية، من دون أي دور. فإذا كان الشعب المصري كله لم يلعب أي دور في المشاركة أو حتى المشاورة، أو الاعتراض، فكيف يمكن الكلام على أقلية دينية أو أخرى مشابهة. بمعنى آخر، أن السادات بمحاولة إفراغه المجتمع المصري من آلياته وأدواته المدنية ومن حياته السياسية، إنما حاول التهديد ضمناً بإثارة فتن طائفية، أي بإثارة مقدمات لحرب أهلية (وهذا ما فعله نظامي البعث وإسرائيل وأخيراً إيران في لبنان). إنه “التقسيم” أو موجوداته أو “بعث” إشاراته، أو التلويح بخرابه. ولكي يتمكن النظام من ضرب كل احتمال لوحدة متنوعة مؤسسة على التناقض معه، فقد اختلق صراعات “هامشية” تغرق فيها الناس، مستخدماً “شبيحته” أو مخابراته أو بعض “مجموعاته” الحليفة (المؤمُنَنَة) من هنا وهناك. وتحت الشعار الاستعماري “فرّق تسدْ”، أمعن نظام السادات ومن بعده مبارك في محاولة تمزيق النسائج الوطنية والقومية والدينية والسياسية، ليستفردا بالحكم، ويحوّلا السلطة إلى آلة “حزبية” أو “طائفية” أو عائلية. فالعائلة باتت في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن (وكلها عائلات ثورية ما شاء الله!) هي كل شيء. هي الأكثرية وكل ما عداها “أقلية”. فالحرية أقلية. والديموقراطية أقلية. والـ99,99% أقلية. والحقوق المدنية أقلية. والقضاء أقلية. والسنة أقلية. والأقباط أقلية. والأحزاب القومية أقلية. والتعبير الحر أقلية. والقضايا القومية أقلية. وفلسطين أقلية. ولبنان أقلية. ومصر أقلية. وسوريا أقلية. وكذلك ليبيا واليمن وتونس وسوريا. لا أحد سوى السلطة العائلية أكثرية. فالمخابرات كأجهزة تستغل كأكثرية. والجرائد والإعلام والمؤسسات الثقافية الرسمية أكثرية. (الفنانون والصحافيون والكتّاب والمفكرون أقلية الأقليات). إذاً، طغت الآلة “العائلية” على كل ما عداها، وصارت هي كل شيء. ولهذا فكل كلام على أقليات دينية أو طائفية، أو استغلاله، أو الانخراط فيه، أو الانجرار وراء شعاراته هو خدمة اليوم، لكل الذين يقمعون “الربيع العربي”، ويقتلون الثوار، وهو خدمة لكل ثورة مضادة، أو لكل نظام استبدادي على أهبة السقوط، وخدمة لكل محاولة لإعادة الأمور الى ما كانت عليه وكأن الثورات العربية لم تكن. هذا هو الرعب. الكلام على أقلية وأكثرية، اليوم، يعني أولاً وأخيراً مجمل التبريرات للطغاة للاستمرار في مجازرهم، وخرابهم… أقول أكثر: إن مثل قبول هذا الكلام كأنه آخر خشبة خلاص لهذه الأنظمة الاستبدادية المنهارة، أو منصة عودتها بلبوس جديد. بل أنه، من “انبعاثاتهم” الجرثومية، للإيحاء بحروب أهلية، في حال استمرار الثورات السلمية، هذا ما فعله القذافي عندما هدد بتقسيم ليبيا، وعندما رأى في الشعب المنتفض “أقلية” مارقة، وعملاء، وجراذين وأوبئة: إنها الحرب الأهلية “كمخرج” وحيد متبق لهم. في مصر تسعى الثورة المضادة، وهي خليط من بقايا العائلة المباركية في السلطة، ومن الشبيحة، ومن ظواهر “متطرفة” ومن أحزاب وحركات تريد أن تلعب لعبة “الحرب الأهلية” (عبر الأقباط والمسلمين)، لتجذب الجميع الى مداراتها الأمنية، وتكريساتها “العسكرية”، وإبقاء نظام الطوارئ، واللعب بقوانين الانتخاب، وإبقاء بعض الواقع (كقوننة حقوق المذاهب على مسافة متساوية)، بمثابة قنابل موقوتة يفجرونها عند الحاجة. وهذا ما يحاول تنفيذه النظام اليمني باستخدام السلاح، لاستدراجه الى مواجهات مسلحة تنتفي فيها الطوابع السلمية الجامعة، وتكون مقدمة لاحتمالات صراعات قبلية وغير قبلية تمدد إعلان موت هذا النظام. وفي سوريا، حيث ألغي النظام “غير البعثي” (بل البعثاوي بجدارة) على امتداد أربعة عقود الحياة السياسية، وحكم بالحديد والنار، والقمع، وإحلال السلطة محل الشعب والدولة، وتحويل الجيش سرايا خاصة أو ميليشيات (كما فعل ميشال عون في حرب الإلغاء عندما استخدم الجيش طرفاً في النزاع المسيحي وكأنه ميليشيا). هذا ما فعله في لبنان (وبين الفلسطينيين) عندما عمّق الطائفية والمذهبية (يتلاقى هنا مع إسرائيل)، ووضع الطوائف في مواجهة بعضها؛ وهو بضربه الأحزاب والتجارب الفكرية اليسارية والليبرالية في لبنان وأدوات المجتمع المدني من نقابات ومؤسسات سياسية، جوّف البنى المختلفة وملأها بسموم الطائفية، وراح يهدد (اللبنانيين) في كل مناسبة بالحرب الأهلية إذا لم يفعلوا كذا وكذا… وراح يلعب حتى لعبة الأقليات والأكثريات بالطريقة الاستعمارية القديمة والصهيونية الجديدة.

اللعبة ذاتها يلعبها النظام داخل بلاده في سوريا: استجرار الثورة السلمية الى السلاح: وإطلاق دعاياته وأبواقه للتحريض على المذهبية (وارتكاب جرائم لإثارة هذه السموم)، تحت شعارات “الأقلية” و”الأكثرية”: فمن ناحية يستجير بالأقليات (العلوية، الشيعية، المسيحية، الكردية، السريانية..)، ومن ناحية أخرى يضعها في الواجهة، كذبيحة أخرى على مائدته. كل همّ النظام جر الجميع الى ما يسميها حرباً أهلية! باعتبار أن هذه اللغة غير السياسية، هي لغة العنف. أقلية + أكثرية بمفهومهما الراهن، لا تُفهمان إلاّ لغة القتل. أو التذابح. وتحديداً تحويل المشكلة من ثورة شعبية عارمة من أجل الحرية والكرامة والعدالة الى مشكلة بين “أقليات” مزعومة، وأكثريات أيضاً مزعومة. وهكذا على “المسيحيين” مثلاً أن يواجهوا الثورات (ويفترض أنهم جزء منها لبناء دولة القانون والمساواة) باعتبارها نذيراً لتحكم الإسلاميين (السنة)، وتهديد وجودهم. وكأن هذه “الهواجس” (وليس من قلق)، المستنفرة بمخطط مخابراتي مدروس، تتجاوز حقيقة أن الهجرات المتتابعة الى الخارج والتي عرفها العالم العربي، لم تكن موجودة مثلاً أيام النظام “البعثاوي” في العراق، أو في تونس، أو في مصر… أو في لبنان وسوريا. فهجرة الناس والعقول في العقود الخمسة الأخيرة لم تكن تفرق بين مسيحي وشيوعي وبعثي ومسلم ومستقل ويساري وغير منتمٍ. كان قمع هذه الأنظمة العائلية (الأب، الإبن، الروح القدس!) من الأسباب الرئيسية، إضافة الى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تسببت بها هذه الأوليغارشيات الجشعة، وحملت هؤلاء على ترك أرضهم وأوطانهم بحثاً عن لقمة العيش التي انتزعها منهم هؤلاء اللصوص والحكام (تأملوا الأرقام التي تُتداول حول ثروة بعض هؤلاء بعشرات المليارات: قدرت ثروة آل مبارك بـ60 ملياراً. وثروة آل طرابلسي بن علي بـ40 ملياراً. وثروة سلالة القذافي بـ100 مليار. وثروة رامي مخلوف وأقاربه بـ60 ملياراً… أو أقل أو أكثر! فمن أين كل هذا لهؤلاء؟ في الماضي كان الحكام يسرقون بالملايين أما اليوم… فبعشرات المليارات: ويتكلمون على أكثرية وأقلية)، وهنا نسأل: هل طاول الفقر طائفة دون أخرى في مختلف هذه البلدان! هل طاول القمع طائفة دون أخرى؟ هل طاول الاستغلال طائفة دون أخرى؟ وهنا يمكن أن نأخذ مثلاً محلياً: كان يقال أن المرحلة السابقة (بعد الاستقلال) كانت مرحلة “المارونية السياسية” في لبنان. (شعار ابتُكر في الحروب)؛ ولكن إذا عدنا الى تعداد المهاجرين المسيحيين والموارنة نجدهم في مقدمة الذين هاجروا الى بلاد الله الواسعة، بحثاً عن اللقمة في تلك المراحل، وكذلك الشيعة (حتى اليوم). فهل هاجر المسيحيون (والموارنة) بنزف كبير قبل الحرب لأنهم أقلية، أم لأن الوضع الاقتصادي أجبرهم على ذلك؟ واليوم يحكى عن “شيعية سياسية”، لكن الهجرة “الشيعية” استمرت في ظل “هيمنة” مزعومة للطائفة الشيعية. فلا “الجماهير” المسيحية استفادت من “امتياز” “الطبقة” الحاكمة، ولا الشيعية تستفيد “اليوم”: الفقراء استمروا فقراء. والمهمشون مهمشين. عند الموارنة (أيام المارونية السياسية)، وعند الشيعة (أيام الشيعية السياسية)، وعند الآخرين دروزاً وسنة ويساريين ويمينيين وعلمانيين. وهذا يعني أن رفع شعار تهديد الأكثرية العددية من شأنه تهجير ما يسمى الأقليات، شعار تافه، يذر الرماد والغبار والوحل في العيون. إذاً القمع + الخوف من البطش + العجز + الفقر كلها عوامل أساسية وراء الهجرات، وهي كلها التي صنعت الثورات العربية. فهل أصابت هذه “الأمراض” فئة دون أخرى لنتكلم على أقلية مستفردة أو أكثرية مستغلة. فلو أن السنة في مصر، أو في ليبيا، أو في تونس يتمتعون بثروات الدولة، وبخيراتها، و”بحرياتها”… لقلنا نعم! هناك طائفة تتمتع بهذه الامتيازات من دون الأقباط مثلاً. ولكن الجميع كانوا فقراء. والجميع كانوا في سجون الطغاة. والجميع كانوا مستغلين. والجميع كانوا مذلولين. مضطهدين، فكيف يمكن أن نستنبط من هذا الواقع مقولة “أقليات” وأكثريات في الوقت الذي لا أقلية فعلية سوى نظام العائلة؟ فالامتيازات لم تكن تخص الناس، بل كانت حكراً على أشخاص وأقارب وعقارب ولصوص وحرامية ومجرمين.
على هذا الأساس، يبدو القفز فوق هذه “الحقائق” التي عشنا وعاشها الجميع، هو بمثابة “تبرئة” الحكام المسؤولين عن كل هذه الكوارث، وأحالتها على أمكنة أخرى وجهات أخرى عانتها قبل سواها. أي التركيز على “أقلية وأكثرية” دينيتين، هو صرف الأنظار عما يجري من ثورات، بكل حيثياتها وعواملها، لوضع “الضحايا” في خانة الجلادين، ووضع الفئات المضطهدة في مواجهة بعضها، وتحويل المعركة من معركة بين أناس ينتفضون من أجل الحرية والكرامة والعدالة وتغيير الأنظمة، وإسقاط الطغاة… الى معركة وهمية، في صراع “مفتعل” و”مفبرك”… بين أقباط ومسلمين هنا، ومسيحيين ومسلمين في سوريا… وبين سنة وشيعة في لبنان! إنها أدوات الحروب الأهلية التي عرفناها… وقد خبرنا وعرفنا كيف تصنع ويصنع معها الموت الشامل، ونهاية الأوطان، وخراب الشعوب.

وأخيراً: ما يدور حالياً من خلال افتعال مثل هذه الحالات (ولو كانت ذات جذور قديمة وفي معظم التواريخ وعند أمم كثيرة) ليس سوى من أعراض احتضار هذه الأنظمة. بل نقول أكثر: هذه الأنظمة التي سقطت، والتي “تمانع” لكي لا تسقط… أنظمة تعاني “موتاً سريرياً”… لا تنفع فيه لا أدوية التخدير، ولا العمليات الجراحية، ولا المهدئات ولا إطالة فترة “البقاء” بالآلات الطبية… والمعجزات، ولا افتعال “أقليات” أو “أكثريات” أو “حروب أهلية” أو استنجاد بالخارج، أو تنظيم مظاهرات تشرف عليها المخابرات!
واخيراً هذه القصة: عندما كان الدكتاتور الإسباني فرانكو يحتضر سمع ضجيجاً آتياً من أناس تجمعوا قرب بيته ليودعوه، فسأل زوجته: ماذا يجري في الخارج، فأجابته: جاءت الناس لتوديعك؟ فسألها: “لتوديعي..؟ ليش لوين رايحين؟”. هكذا الطغاة يظنون أن كل شيء ذاهب وهم باقون حتى في لحظات “رحيلهم” “من الأبد الى الأبد”.


بول شاوول

معاريف بريس

www.maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads