صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

ضرورة تصحيح الثقافة العربية الإسلامية

الثقافة العربية الإسلامية  ( وأيضا المثقف العربي الإسلامي ) تحتاج اليوم أكثر من ذي قبل إلى كنس وتنظيف. فتطور المجتمع رهين بتصحيح ثقافته من الغلط والخطأ. فقد آن الأوان أن تساير الثقافة العربية الإسلامية ركب التاريخ بعد هذه الثورات العربية الموفقة. فالعديد من الخطابات الثقافية تخلق عواقب سيئة على الأفكار العربية الإسلامية. وهذه العواقب تتجلى في سوء الفهم والتصادمات الفكرية المضيعة لوقت وطاقة الفكر العربي الإسلامي. هذا إذا غضضنا الطرف عن مقارنة الثقافة العربية الإسلامية بالثقافة العالمية الحالية، وبدون أن ندخل في تفاصيل تخلف الثقافة العربية الإسلامية عن موكب وركب الثقافة العالمية الرائجة حاليا. ورب سائل يقول : هل هناك ثقافة عالمية ؟ نعم هناك ثقافة عالمية وثقافة إقليمية وأخرى محلية . وهناك صراع ثقافي  (لا حضاري ) بين الناس محليا وإقليميا ودوليا. وفي هذا الموضوع يضيق المجال هنا للشرح وللتوضيح بتفصيل.
وما يهمنا هنا هو الثقافة العربية الإسلامية باعتبارها ثقافة إقليمية ومحلية. فهي إنتاج فكري، كغيرها، لكنها في اعتقادنا، مليئة ببعض المفاهيم والأفكار المغلوطة والخاطئة. والغريب في الأمر، أن بعضا من الطبقة المثقفة وغير المثقفة يستهلك من هذا المغلوط والخاطئ في الثقافة بدون أن يعيه، ولا يقدر وسوسته وشوشرته على التفكير السديد المتوازن. والأمثلة كثيرة من هذه الأفكار والمفاهيم الخاطئة والمغلوطة في الثقافة العربية الإسلامية. وكمثال في الثقافة المغربية نسوق المثال التالي :
” خوك في الحرفة عدوك”. هذا المثال الشعبي الرائج، في الثقافة المغربية، رغم أنه مثال ليس بصحيح، أنتجه قائله لغرض معين ومحدد، فهو مثال يردده ويقتنع به العديد من الناس. وعوض أن يفهمه الناس في سياقه الظرفي، أصبح قاعدة عامة ومطلقة. فهو مثال يخلق العداوة بين أفراد نفس المهنة أو الحرفة، عوض أن يكرس فكرة المنافسة الشريفة والمحمية قانونا.
مثال آخر: حين لا يتمكن المغربي من الركوب في القطار نظرا لتأخره عن الوصول في موعد ذهاب القطار يقول حين وصوله لمحطة القطار : ” هرب علي القطار”. فالقطار هو الذي هرب عليه، وليس هو الذي تأخر عن المجيء للمحطة ليركب القطار… روح المسؤولية منعدم في هذه الجملة رغم أننا كلنا نفهم معناها والمقصود منها.
مثال آخر: حين يسقط  (بفتح الياء ورفق القاف ) كأس  (أو شيء ) من يد مغربي عامي، فهذا الأخير يقول ” طاح لي الكاس” عوض أن يقول :”أطحت الكأس”. وكأن الكأس ذات عاقلة تتصرف بالناس. وروح المسؤولية ملقاة في هذا الخطاب على الكأس لا حامله. هذا الأسلوب هو في الحقيقة هروب من تحمل المسؤولية امام كل تصرف لا نريده ولا نحبذه.
مثال آخر : حين يكون شخص عامي يتحدث وينطق بكلمة “كلب”، فإنه يتبعها كلمة “حاشاك”. أو حين ينطق بكلمة “يهودي” يتبعها كلمة “حاشاك”. لماذا “حاشاك” في الثقافة العربية الإسلامية تستعمل بهذه الطريقة الغريبة ؟ لماذا يخصصونها للكلاب ولليهود ؟ لا شك بأن الثقافة العربية الإسلامية تحتاج إلى الأنسنة والتقويم. كيف للعالم العربي الإسلامي أن يدخل طور العولمة والديمقراطية ويتعامل مع الثقافة والتجارة والسياسة العالمية بسلام وفي ثقافته المحلية مثل هذا المصطح الغريب والحربي : “حاشاك”.
مثال آخر نأخذه من الكتابات الغزيرة في الصحف العربية. وهو الأهم فيما نقصده من مقالنا هذا، لأنه مثال حاد وسيئ العواقب على الفكر العربي والثقافة العربية المحلية والإقليمية؛ ولأنه يصدر من الطبقة المثقفة. فعلا فقد اعتاد العديد من الصحفيين والكتاب العرب في كتاباتهم، على إتباع أسلوب غريب في التخاطب مع القراء. فبعضهم يسلكون، بوعي أو بدونه، أسلوبا تقليديا، شموليا، غيبيا، مبنيا للمجهول، يخلق في الفكر العربي تحريضا مجانيا، وتشكيكا وهميا وإبهاما عفويا.
هيت لكم أمثلة من هذا الأسلوب من فقرة إحدى المقالات المغربية :
“قريبا، عندما سيقترب موعد الانتخابات سيظهر أولائك العدميون والتيئيسيون الذين يحاولون زرع بذور الشك…”
هذا أولا وقبل كل تعليق أو تمحيص، درب من التنبؤ بالشيء قبل حدوثه. كما أن القارئ لهذا المقال عليه أن يصدق الكاتب فيما سيقع بدون جدال. وهذا اعتقاد غير صحيح وغير صالح للثقافة العربية. فهو بدون شك تيئيس واضح للمواطنين الذين يتمنون الخير فيما هو آت. الكاتب أيضا، متشائم ويزرع الشؤم في نفوس الناخبين. وحتى ولو أن بعد شهور سيقع ما يفترض هذا الكاتب وقوعه حاليا، فهو لم يبين لنا لماذا هذه النظرة التشاؤمية التيئيسية؟ ولماذا شكوكه صادقة ؟
كاتب هذا المقال، مع احتراماتنا له، وتقديرنا لكتاباته القيمة ومجهوده المبذول في مواضع أخرى، فهو لم يعط في مقاله للقارئ أسماء أو هوية هؤلاء “العدميين والتيئيسيين”. ما نفهمه من مقاله هو أن كل السياسيين مقصودون بمقاله، بدون استثناء، فهم كلهم عدميون وتيئيسيون. والمقال باكمله حديث عن أناس يسيرون في الطرقات ويزاولون السياسة لكنهم مقنعون. فالكاتب لم يمكن القارئ من معرفة هويتهم للحذر من شرهم على مصير الانتخابات المقبلة. فعوض أن يصرح كاتب هذا المقال بالجهة أو الشخص المعني في هذا الخطاب، فهو يلجأ إلى أسلوب الإبهام والشمولية. وما الفائدة من كتابة مقال نحذر فيه من شيء يعرفه الجميع منذ أن بدأ المغاربة ينتخبون؟ وما الفائدة من تحذيرنا إن لم نعرف من المقصود من هذا التحذير المريب والمخيف؟
من جهة أخرى فالمقال فبأكمله عبارة عن خيال سياسي مثبط للهمم والعزائمfiction .
باختصار شديد، ففي جل الصحف والمجلات العربية حين نقرأ بعض المقالات، وبالخصوص المقالات السياسية، يتبادر لدهننا أن الكاتب أو الصحافي الذي كتبه يعتقد اعتقادا أن كل ما يفهم هو يفهمه كل الناس، وأن كل ما يتصوره هو يتصوره كل الناس. وأن ردة فعل القارئ ستكون كما يتصورها ويفهمها هو.
أمثلة اخرى من صحف عربية مختلفة. مثلا نقرأ في صحيفة ما مجمله : ” احذروا أن يخدعوكم بالكلام الحلو”، “هناك جهات تود أن تخدعكم بتوجهاتها المغلوطة”، ” المرتشون يريدون أن يشككوا في الانتخابات”.
فهذه العبارات كلها تقحم القارئ في متاهات الجهل والتشكك من كل جهة. أما الجهة المقصودة فتبقى دائما مجهولة ومبهمة. فيشتت فكر القارئ العربي تشتيتا. وتشوه القناعات الحسنة النية. وهو أسلوب قدحي غيبي يشكك في كل شخص أو يترك للقارئ تصور جهة غير محددة من الجهات السياسية.
هذا، وفي الغالب، فالصحفي أحيانا يعلم الجهة المقصودة والشخص الذي يوجه الخطاب ضده. لكنه لا يجرؤ على البوح باسمه أو هويته. ومن ثم يترك القارئ ضمآن جائع. وهذا غير مقبول. كان على هؤلاء الكتاب أن يقربوا للقارئ، على القل هوية أو شخصية من يقصدون.
ورب قائل سيقول : الخوف هو السبب في هذا التستر والشمولية والمبني للمجهول. أو أن الكاتب يخاف من أن ينصب عليه غضب الشخص أو الجهة المعنية ا.
لكن هذه الأعذار لا يمكن لها أن ترفع مستوى الثقافة العربية. كما أنها أعذار لا تستقيم ونسبة الحرية التي اصبح المواطن العربي يتمتع بها في ظل الثورات العربية والدساتير الجديدة الضامنة لحرية التعبير في الإطار القانوني.
وإذا نظرنا إلى هذه الكتابات من الناحية الثقافية الصرفة، فسنجد أن جل كتاب المقالات السياسية، في الصحف العربية، متأثرون بالأسلوب السياسي الذي يتعامل به رجال السلطة في خطاباتهم الرسمية. فكما يعرف الجميع، فكل سياسي العالم حين يخطبون أو يقومون بتصريح سياسي فهم يسلكون أسلوب الإبهام، والشمولية، وكأنهم يتحدثون إلى طائفة تفهم قصدهم. وكانهم ايضا يودون ان لا تفهم شردمة أخرى من الشعب خطابهم. هذا مع العلم أن الإبهام والشمولية في الخطاب السياسي لهما أحيانا ما يفسرهما من الناحية الواقعية.
وهو نفس أسلوب الفقهاء المسلمين الثقليديين المفتين بالتكفير والتجريم لكل شخص يخالفهم الرأي. فاسلوب بعض الفقهاء التكفيريين كان يحتوي على مفاهيم شمولية مبهة كالسياسيين. مثلا يقول الفقيه : “حذاري من أن يخرجونكم عن دينكم”، ” احذروا المنافقين”، “إن الكفار يغارون من دينكم”، ” هناك شردمة من الناس تكرهونكم يا معشر المؤمنين”، ” المتربصون بالإسلام يحيطون بكم”، لا تثقوا بهم”، “اللهم انصر الإسلام والمسلمين واجعل كيد الكافيرن في نحرهم”، ” اللهم غلبنا على أعدائنا”، “اللهم انصرنا على القوم الظالمين”…
هذا الأسلوب في التخاطب متوجه به إلى عامة الناس وخواصهم، لكن الشخص أو الجهة المعنية أو المقصودة من الخطاب، تبقى مبهمة ومجهولة في فكر الناس أجمعين. والقارئ أو المستمع ما عليه إلا أن يفهم ما يريده هو لا ما يريده الخطيب أو الكاتب.
مثل هذا السلوب التقليدي يشيع ثقافة التشكيك في كل شخص وفي كل شيء. وهكذا أصبح للمسلمين وللعرب أعداء خياليين في كل ميدان وفي كل بقاع العالم. وأصبح الإنسان العربي يحس دوما وأبدا أن له أعداء، وأنه ضحية مآمرة من مجهول يحيكها شخص أو دولة. هكذا نجد في العديد من المقالات الصحفية نفس الأسلوب الداعي إلى التشكيك في شخص مبهم أو جهة مبهمة. وفي هذا الأسلوب دعوة إلى تغييب الفكر وتشتيته وتشويه للثقافة العربية الإسلامية.
مثل هؤلاء الكتاب في الصحف ينتجون ثقافة مغلوطة، ثقافة الشك والريبة التغييب والتحريض على العداوة والبغضاء بين الناس. ثقافتهم حربية لا سلمية.
ورغم ذلك، فكل هذا لا ينفي أن العالم العربي لديه كتاب وصحفيون جيدون، اخترقوا كمامة الثقافة المحلية باعوجاجها وتشوهها، ولهم أسلوب واضح في التخاطب مع المثقفين والغير المثقفين. هؤلاء يدركون ويعون أسلوب التخاطب الذي يتعاملون به مع قرائهم. لا شك، أنهم واعون بمسؤوليتهم وبأهمية ما يكتبون. هذفهم وطني صادق وإنساني صالح للتوعية وللتنوير لا الإبهام والشمولية والتشكيك والتغييب والتيئيس.

الحايل عبد الفتاح /محام من هيئة الرباط

معاريف بريس

www.maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads