معاريف بريس – أخبار وطنية
شكلت الهوية المغربية، على مر العصور، نموذجاً فريداً للتعايش والتعدد الثقافي والروحي، وظلت لقرون طويلة حاضنة لخصوصية يهودية مغربية متميزة، انصهرت في بوثقة التمازج الوطني لتشكل رافداً أساسياً من روافد الهوية المغربية الأصيلة. ورغم مسارات الهجرة والتحولات الديموغرافية والسياسية التي شهدها القرن الماضي، والتي قادت قطاعاً واسعاً من الطائفة اليهودية المغربية إلى الاستقرار في إسرائيل، إلا أن خيوط الارتباط بالوطن الأم لم تنقطع يوماً. بل على العكس من ذلك، ظل هذا الارتباط الروحي والوجداني متوقداً، يغديه حنين جارف لارتباط وثيق ومقدس بأرض الأجداد، وببيعة ولائية راسخة للعرش العلوي المجيد، تجمع بين المغاربة قاطبة أينما وجدوا، مما جعل من الجالية اليهودية المغربية في إسرائيل نموذجاً استثنائياً لجالية تحتفظ بروحها الوطنية وهويتها الثقافية كاملة غير منقوصة.
إن هذا التشبث المستميت بالهوية المغربية، بكل ما تحمله من قيم الانفتاح والوسطية والجلد والذكاء الاجتماعي، لم يكن مجرد عاطفة عابرة أو ذكريات تؤثث فضاءات البيوت، بل تحول إلى قوة دفع حقيقية ومحرك أساسي للتميز والريادة داخل المجتمع الإسرائيلي. لقد استطاع اليهود المغاربة، بفضل شخصيتهم المتوازنة وإرثهم الثقافي الغني، أن يفرضوا أنفسهم كقوة اقتراحية وازنة ومؤثرة في مختلف مفاصل الدولة العبرية. ولم يكن هذا الصعود وليد الصدفة، بل جاء ثمرة لمؤهلات معرفية وقيادية وقدرة فذة على العطاء، مكنتهم من تبوؤ أرقى المراكز القيادية والمسؤوليات الحساسة في هرم السلطة وصناعة القرار.
ويتجلى هذا الحضور الوازن بشكل ساطع في المشهد السياسي، حيث يشغل النخبة من أصول مغربية مناصب حكومية رفيعة، ومقاعد برلمانية مؤثرة، ويقودون أحزاباً وتيارات تساهم في رسم التوجهات الاستراتيجية للبلاد. ولا يقتصر هذا التميز على العمل السياسي والمدني، بل يمتد ليشمل المؤسسات السيادية الأكثر حساسية؛ إذ يبصم الكنوز البشرية من أصول مغربية على حضور استثنائي في قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، بفضل كفاءتهم العالية وحسهم التنظيمي الدقيق، مما جعلهم ركيزة أساسية في منظومة الدفاع والأمن الذاتي.
وفي موازاة القوة السياسية والعسكرية، شكل قطاع التعليم العالي والبحث العلمي ميداناً خصباً تفوق فيه الإسرائيليون من أصل مغربي، حيث يزخر هذا القطاع بعقول فذة وأكاديميين مرموقين يوجهون مسارات المعرفة وصناعة الأجيال. ويمتد هذا النبوغ بشكل طبيعي إلى المنظومة الصحية، التي يشرف فيها أطباء وجراحون وباحثون مغاربة على إدارة كبريات المستشفيات والمراكز الطبية العالمية، مقدمين حلولاً مبتكرة في الطب الحديث والعلوم البيولوجية تخدم الإنسانية جمعاء.
أما في عصر الثورة الرقمية، فقد تحول اليهود المغاربة إلى عصب حيوي في قطاع التكنولوجيا المتطورة (Hi-Tech) والابتكار الابتكاري. واستطاعوا قيادة شركات ناشئة عملاقة وتطوير برمجيات وأنظمة ذكاء اصطناعي رائدة، مكرسين مكانة بلادهم كمركز عالمي للتكنولوجيا. ولم يتوقف هذا الابتكار التكنولوجي عند حدود البرمجيات، بل امتد ليعالج الهاجس الأكبر الذي يؤرق إسرائيل وباقي دول العالم في ظل التغيرات المناخية، والمتمثل في معضلة الأمن المائي. وهنا برزت العبقرية المغربية الإسرائيلية في إيجاد حلول ثورية تكنولوجية لإدارة قطاع الماء، من خلال تطوير أحدث نظم تحلية مياه البحر، وإعادة تدوير المياه العادمة، والري الذكي، وهي الابتكارات التي باتت تشكل اليوم مرجعاً دولياً ومادة أساسية للتعاون الإقليمي والدولي.
إن هذه الدينامية الشاملة، التي يتداخل فيها الروحاني بالعملي، تبرهن على أن العمق المغربي يظل دائماً علامة فارقة ومصدر قوة لأبنائه في شتى أنحاء العالم. لقد نجح اليهود المغاربة في إسرائيل في تحويل وفائهم لجذورهم المغربية إلى جسر ممتد للتواصل وبناء السلام، وإلى طاقة إبداعية خلاقة جعلت منهم قادة وصناع قرار في شتى مناحي الحياة الحديثة، مؤكدين أن تامغربيت ليست مجرد انتماء جغرافي، بل هي أسلوب حياة، وفلسفة نجاح، وإرث حضاري عابر للقارات.
أمين الرفاعي
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com