معاريف بريس – أخبار وطنية
تعيش الساحة السياسية والحزبية مفارقة صارخة تسائل جوهر الممارسة الديمقراطية ومصداقيتها؛ ففي الوقت الذي يرتفع فيه الخطاب الرسمي والإعلامي مبشراً بضرورة إفراز “جيل جديد” من الكفاءات وضخ دماء شابة في شرايين المؤسسات، يصطدم المتتبع بواقع حزبي مرير يكرس بنية تقليدية مغلقة.
هذا الواقع يتجلى بوضوح في معضلة “تجديد ولايات القادة” وتحول التنظيمات السياسية إلى فضاءات لتدبير استمرارية العائلات النافذة وتأمين موقع الأبناء، في غياب تام لأي رؤية استراتيجية واضحة أو إرادة حقيقية لتجديد النخب على أسس الكفاءة والاستحقاق.
ونطرح هنا أربعة أبعاد رئيسية تفسر هذا الانسداد البنيوي:
أولاً، تبرز معضلة “شخصنة الأحزاب وغياب المؤسساتية” كجذر أساسي للأزمة.
فكثير من التنظيمات السياسية لم تعد تُبنى على أساس برامج فكرية أو أيديولوجية واضحة، بل باتت تتمحور حول كاريزما الزعيم، أو نفوذه المالي، أو شبكة علاقاته تتلقى فيها كل أنواع السلوكيات الفاسدة.
هذا الاندماج بين شخص القيادي وبنية الحزب يحوّل التنظيم تدريجياً إلى “ملك رمزية” أو مقاطعة خاصة، يصبح معها توريث المناصب للأبناء والمقربين امتداداً طبيعياً لتركة عائلية، مما يقصي الطاقات الشابة التي لا تملك “النسب الحزبي” أو الولاء الشخصي.
ثانياً، يعكس هذا الوضع “الصراع مع البطن وتأمين المصالح”؛ حيث ينحرف التنافس داخل الحزب عن مساره الطبيعي المفترض، وهو صراع الأفكار والرؤى لتجويد الديمقراطية وتنمية البلاد، ليتحول إلى صراع غريزي من أجل البقاء السياسي وتأمين الامتيازات والمكتسبات الريعية.
تخشى القيادات التقليدية التجديد الحقيقي وتعتبر صعود نخب شابة ومستقلة تهديداً مباشراً لقواعد اللعبة القائمة، ومساءلة لتاريخ طويل من التدبير، مما يدفعها لتحصين مواقعها عبر الدوائر العائلية الضيقة.
ثالثاً، يمثل واقع “حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” مرآة جليّة لهذه الأزمة وتراجعاً عن الديمقراطية. فالحزب الذي شكّل تاريخياً منارة للفكر التقدمي وقدم تضحيات جساماً من أجل التعددية، بات اليوم مستهلكاً في حروب داخلية وصراعات حادة حول القيادة وتمديد الولايات، مع بروز لافت لأسماء من محيط العائلات القيادية.
هذا التحول نحو معارك “البطن” الداخلي على حساب القضايا المجتمعية الكبرى، أفقد الخطاب الاشتراكي جاذبيته، وخلق فجوة هائلة بين شعارات العدالة الاجتماعية والديمقراطية وبين الممارسات الإقصائية التي تشهدها ردهات الحزب.
رابعاً ، تتجسد الكلفة الباهظة لغياب رؤية واضحة لتجديد النخب في إنتاج بيئة سياسية طاردة. إن استمرار تدوير نفس الوجوه العائلية والتقليدية يؤدي مباشرة إلى تعميق أزمة الثقة وعزوف الشباب الكفء عن العمل الحزبي، بعدما استشعر أن الترقي السوسيوسياسي والسياسي داخل هذه الهياكل يخضع لمنطق الولاء والقرابة لا للكفاءة.
والنتيجة الحتمية هي تآكل المشروعية السياسية للأحزاب، وعجزها البنيوي عن تقديم حلول مبتكرة وجريئة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد.
إن الخروج من هذه الصورة السيئة، يفرض تجاوز لغة الشعارات نحو جيل جديد من الإصلاحات البنيوية؛ إصلاحات تبدأ بربط الدعم المالي والسياسي للأحزاب بمدى التزامها بالديمقراطية الداخلية والتناوب الحقيقي، وتفعيل آليات المحاسبة، ليعود الحزب السياسي إلى وظيفته الدستورية الأصلية كأداة لتأطير المواطنين وإنتاج النخب، لا كآلية لتخليد الكراسي وتوريث الامتيازات.
أبو ميسون
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com