معاريف بريس – أخبار دولية
بين زمن كولدا مائير وزمن بنيامين نتنياهو، لم تتغير خارطة الشرق الأوسط فحسب، بل تغيرت معها فلسفة القوة داخل إسرائيل. إذا كانت مائير قد مثلت مرحلة “التأسيس والصمود” القائم على الأيديولوجيا الصلبة، فإن نتنياهو يجسد مرحلة “التفوق التكنولوجي والبراغماتية” التي تسعى لفرض إسرائيل كرقمنة أمنية واقتصادية لا يمكن تجاوزها في المنطقة.
إن القوة التي تتحدث عنها إسرائيل اليوم ليست مجرد ترسانة عسكرية تقليدية، بل هي “قوة ذكية” تعتمد على التفوق في مجالات السايبر، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية الدقيقة.
هذا التحول هو ما سمح لنتنياهو بالانتقال من منطق “الدولة المحاصرة” إلى منطق “الدولة الشريكة” عبر اتفاقيات إبراهيم، محاولاً صياغة واقع جديد يعتمد على المصالح المشتركة والأمن الإقليمي لمواجهة التهديدات المشتركة، وعلى رأسها التغلغل الإيراني.
لكن، وبالرغم من مظاهر هذه القوة، تظل إسرائيل اليوم أمام تحديات وجودية تختلف تماماً عن تلك التي واجهتها كولدا مائير في حرب أكتوبر 1973.
فالتحدي الحالي ليس نظامياً عسكرياً فقط، بل هو تحدي “الاستقرار الداخلي” والقدرة على الحفاظ على هذا التفوق في بيئة إقليمية شديدة السيولة والتعقيد، حيث لم يعد السلاح وحده كافياً لضمان الأمن المستدام دون حلول سياسية بعيدة المدى.
إن قراءة المسار من مائير إلى نتنياهو تكشف أن إسرائيل استثمرت في “صناعة القوة” كخيار وحيد للبقاء، لكن التاريخ يثبت أيضاً أن القوة العسكرية، مهما بلغت ذروتها، تظل بحاجة إلى دبلومسية مرنة وقدرة على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية الكبرى التي تعيد رسم موازين القوى في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com