معاريف بريس – إراء ومواقف
في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي يشهده ربيع عام 2026، تبرز الجزائر كلاعب يراقب المشهد الإقليمي بعين الحذر الشديد، وفي قلب هذا الصمت الدبلوماسي تكمن استراتيجية “الترقب الواعي”.
فبينما تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية واسعة تستهدف العمق الإيراني، يبدو أن صانع القرار في قصر المرادية لا يكتفي بمجرد الحياد، بل يراهن ضمنياً على تعثر هذا الحلف؛ ليس حباً في طهران، بل تأميناً لموقع الجزائر في معادلة “النظام الإقليمي الجديد” الذي يتشكل خلف الدخان، وبحثاً عن أوراق ضغط جديدة في صراعها الوجودي مع الجار المغربي.
إن الموقف الجزائري يتجاوز الأدبيات التقليدية حول “عدم الانحياز” ليمس جوهر العقيدة الأمنية للبلاد؛ فالفشل الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق نصر خاطف أو تغيير النظام في طهران يمثل، من منظور جزائري، كبحاً لجماح سياسة “تغيير الأنظمة بالقوة” التي تخشى الجزائر أن تصل ارتداداتها إلى شمال أفريقيا.
ففي الوعي السياسي الجزائري، أي نجاح ساحق لهذا المحور سيعني إطلاق يد واشنطن وحلفائها لإعادة رسم خارطة القوى في المنطقة، وهو ما سيؤدي حتماً إلى تعزيز التفوق الاستراتيجي للمغرب، الشريك الموثوق لهذا المحور في القارة الأفريقية.
هنا تبرز تداعيات هذا الترقب على العلاقات المغربية الجزائرية المتأزمة؛ فالجزائر ترى في انكسار “الهيبة” العسكرية الإسرائيلية والأمريكية في طهران وسيلة لإضعاف الزخم الذي اكتسبته الدبلوماسية المغربية في ملف الصحراء. إن نجاح المحور الغربي في إيران سيعني تكريساً لواقع سياسي جديد يجعل من الاعتراف بمغربية الصحراء وقوة التحالف (الرباط-واشنطن-تل أبيب) حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها، وهو الكابوس الذي تحاول الجزائر تجنبه عبر الرهان على “الصمود الإيراني” لفرملة هذا الاندفاع الاستراتيجي المغربي.
علاوة على ذلك، ترتبط الحسابات الجزائرية بالخشية من تحول المغرب إلى “منصة متقدمة” لهذا المحور في منطقة المغرب العربي؛ فتعثر الحرب على إيران يمنح الجزائر فرصة لاستعادة زمام المبادرة الإقليمية ومحاولة عزل المغرب دبلومسياً عبر تسويق فكرة “خطر التحالفات الأجنبية”.
كما أن بقاء أسعار الطاقة في مستويات قياسية نتيجة استمرار النزاع، يوفر للجزائر الغطاء المالي اللازم لمواصلة سباق التسلح مع المغرب، في محاولة يائسة للحفاظ على توازن قوى يميل تدريجياً لصالح القوات المسلحة الملكية المغربية بفضل التكنولوجيا العسكرية المتطورة.
ختاماً، فإن الجزائر التي تعيش اليوم حالة من التوجس الدبلوماسي، تدرك أن مصير الحرب في طهران سيرسم ملامح القوة في الرباط؛ فإما عالم متعدد الأقطاب يمنحها فرصة للمناورة والبقاء، أو انتصار كاسح للمحور الغربي يضعها وجهاً لوجه أمام واقع إقليمي يتصدره المغرب كقوة رائدة مدعومة بنظام دولي جديد لا مكان فيه للخطابات الكلاسيكية الموروثة عن حقبة الحرب الباردة. إن ترقب الجزائر لفشل واشنطن وتل أبيب هو في حقيقته محاولة لتأجيل مواجهة استحقاقات التغيير التي باتت تطرق أبواب قصر المرادية بقوة.
معاريف بريس Htpps//:maarifpress.com


