معاريف بريس – أخبار وطنية
لم تعد البادية المغربية، في مخيلة الكثيرين، مجرد مساحات خضراء ومجالات للنشاط الفلاحي التقليدي، فقد شهدت السنوات الأخيرة تحولاً هيكلياً مقلقاً، حيث تحولت مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية إلى “مستودعات لوجستية” خارجة عن الرقابة، تُمارس فيها أنشطة استيراد وتفكيك وبيع محركات السيارات وأجزائها في إطار “اقتصاد الظل”. هذا التحول ليس عفوياً، بل يطرح تساؤلات حارقة حول شرعية الأموال المستثمرة في هذه الأنشطة وغياب الرقابة المؤسساتية.
إن التوسع في استيراد المحركات المستعملة، وتخزينها في مستودعات مشيدة على أراضٍ فلاحية، يطرح تحذيراً أمنياً بالغ الخطورة؛ فهل نحن أمام نشاط تجاري محلي، أم أمام خيوط شبكات تبييض أموال دولية؟
هناك مؤشرات تدعو للقلق حول ارتباط هذه الورشات بمافيات المخدرات الدولية، وتحديداً تلك الناشطة في إيطاليا وبعض دول أوروبا، والتي باتت تستغل “الغطاء التجاري المشروع” لقطع الغيار لضخ أموالها القذرة في اقتصادنا المحلي، وتبييضها عبر العقارات الفلاحية التي تحولت إلى “غسالات” ضخمة للأموال المهربة عبر الحدود.
يطرح هذا الانتشار الكثيف للورشات تساؤلاً كبيراً حول “غياب عين السلطة” لناخذ بادية تمارة وتحديدا في ضاحية المرس مثلا، فالملاحظة الميدانية تشير إلى وجود علاقة عضوية بين هذه الأنشطة وبين النخب المحلية، حيث يبرز “المنتخب المحلي” كطرف مؤثر يوفر الحماية أو التغطية.
إن شراء الولاءات عبر فرص عمل هشة تستخدم كقاعدة انتخابية، والتلاعب بتراخيص استغلال الأراضي الفلاحية لتحويلها إلى مستودعات بضوء أخضر من المجالس المحلية، يضفي صبغة شرعية على أنشطة مشبوهة ترتبط بأجندات عابرة للحدود تهدف إلى استنزاف الخزينة العامة، وضرب الأمن الغذائي عبر استبدال العمل الفلاحي باقتصاد التهريب.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب ما هو أكثر من حملات أمنية موسمية، إذ يجب على السلطات المركزية اتخاذ خطوات حازمة تبدأ بتفعيل الرقابة الصارمة على تراخيص تغيير معالم الأراضي الفلاحية، ومحاسبة أي منتخب يستغل نفوذه لتوفير غطاء لهذه الأنشطة.
كما بات من الضروري إخضاع أصحاب الورشات للتدقيق الضريبي، ومراقبة تدفقات الأموال الدولية القادمة من “نقاط التماس” مع مافيات أوروبا، للكشف عن حقيقة مصدرها. إن إنهاء “زواج المصلحة” بين بعض المنتخبين وشبكات التهريب الدولي هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للبادية كفضاء للتنمية المستدامة، لا كملاذ خلفي للأنشطة غير المشروعة.
إن البادية المغربية اليوم تعيش حرباً صامتة بين خيار التنمية الفلاحية وخيار اقتصاد التهريب الدولي؛ وإذا لم تستعد الدولة زمام المبادرة بصرامة، فإننا أمام خطر تحول باديتنا إلى مستعمرة لمافيات دولية تستبيح أرضنا لتبييض أموالها وتفكيك أمننا الاقتصادي.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


