معاريف بريس – أخبار وطنية
لم يعد عبد الإله بنكيران ذلك السياسي الذي يزن كلماته بميزان المصالح الوطنية العليا، بل تحول في تصريحاته الأخيرة إلى ما يشبه “المفتي” السياسي الذي يوزع المواقف بناءً على اصطفافات أيديولوجية وعاطفية تبتعد كلياً عن منطق الدولة.
لقد شكل بنكيران لسنوات واجهة لـ”الواقعية السياسية” المغربية، موازناً بدقة بين مرجعيته الحزبية ومقتضيات إدارة الشأن العام، إلا أن تماهيه المفاجئ مع المواقف الإيرانية يمثل انزياحاً خطيراً عن ثوابت الخطاب السياسي المغربي، فبينما كان يُنتظر منه أن يمثل صوت الحكمة التي تراكمت عبر تجربته في الحكم، يبدو اليوم وكأنه قرر “التقاعد السياسي” من حكمة رجل الدولة ليتفرغ لتبني خطابات تتماهى مع قوى إقليمية تعتبر تهديداً مباشراً للأمن القومي، وهو ما يفسره المراقبون بمحاولة يائسة لاستعادة “الشرعية الثورية” داخل قواعده الشعبية على حساب الإجماع الوطني.
إن هذا التماهي مع المحور الإيراني، خاصة في هذا التوقيت الدولي الحساس الذي يعزل طهران قانونياً وسياسياً بعد صدور قرارات أممية تدين سلوكها العدواني، يضع بنكيران في موقف “المغرد خارج السرب”، مما يفقده صفته كمحاور سياسي ذي ثقل وطني، ويحوله إلى شخصية تختار العزلة الأيديولوجية بدلاً من الانخراط في تحديات الدولة الحقيقية.
إن الخطورة في هذا التحول لا تكمن فقط في تغيير الأسلوب، بل في الخلط المتعمد بين السياسي والمقدس، مما يعكس هروباً من تعقيدات إدارة الشأن الوطني نحو يوتوبيا الأيديولوجيا التي تخدم أجندات إقليمية لا تتقاطع مع المصالح العليا للبلاد، وهو ما يجعل من بنكيران اليوم شخصية أكثر إثارة للجدل وأقل تأثيراً في صناعة القرار الوطني. ختاماً، إن استمرار بنكيران في هذا النهج “الفتوائي” لا يهدد فقط إرثه السياسي الشخصي، بل يضع حزبه في مواجهة مباشرة مع ثوابت السياسة الخارجية للمملكة، مما قد يحول هذا “الانزياح” من مجرد تصريحات عابرة إلى قطيعة فعلية بينه وبين الواقع السياسي المغربي الذي لا يقبل المزايدات في ملفات ترتبط بالسيادة والأمن القومي، ليطرح السؤال الأخير نفسه: هل لا يزال في جعبة بنكيران ما يقدمه للسياسة المغربية، أم أنه اختار طوعاً أن يكون خارج التاريخ؟
معاريف بريس Htpps://maarigpress.com


