معاريف بريس – أخبار وطنية
في المسافة الجغرافية والزمنية الفاصلة بين محطات القطارات في جنيف وزوريخ، وبين الأسواق الشعبية في الدار البيضاء وسطات، تكمن مفارقة أخلاقية كبرى تختزل الفارق بين مجتمعات تقدس الإنسان وأخرى تستثمر في تسميمه تحت غطاء الحصانة.

ففي سويسرا، وعدد من الحواضر الأوروبية، تتحول المنتجات الغذائية التي اقتربت ساعة نهاية صلاحيتها إلى “رسالة مودة” مجتمعية؛ حيث تعمد الشركات الكبرى إلى توزيع الحليب ومشتقاته والحلويات بالمجان كوجبات فطور للمسافرين، إيماناً منها بأن الهدر الغذائي خطيئة اقتصادية، وأن إطعام الناس أرقى من إلقاء الطعام في الحاويات.
هذا السلوك ليس مجرد “كرم” عابر، بل هو نتاج منظومة تعاقدية تحترم فيها المقاولة بيئتها ومستهلكها، وتدرك أن الربح لا ينفصل عن المسؤولية الاجتماعية.
لكن، ويا للمفارقة، حين ننتقل إلى الضفة الأخرى، نجد أن “قرب نهاية الصلاحية” لا يثير في نفوس البعض نوازع الخير، بل يوقظ غريزة الجشع الإجرامي التي تختبئ خلف الشعارات السياسية البراقة؛ حيث تتحول تلك المواد إلى صيد ثمين لعصابات “تزوير التواريخ” التي تجد في النفوذ الحزبي درعاً واقياً لها.
إن ما كشفته فضيحة النائب البرلماني والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، عبد الرحيم بنضو، ليس مجرد واقعة غش تجارية معزولة، بل هو تجسيد حي لزواج كاثوليكي مشبوه بين السلطة التشريعية والفساد الغذائي، حيث يُفترض في “صاحب التراكتور” أن يحرث الأرض لصالح المواطن، فإذ به يحرث في صحة المغاربة عبر مستودعات سرية مخصصة لإعادة تدوير الموت المعلب.
إن استغلال صفة برلماني ومنسق جهوي لحزب يشارك في تدبير الشأن العام لتزوير ملصقات الصلاحية وإعادة ضخ السموم في الأسواق، يمثل طعنة في قلب العملية الديمقراطية وعبثاً بمفهوم “الأمانة” التي منحتها الصناديق.
الفارق هنا يتجاوز حدود الاقتصاد ليدخل في صميم “الكرامة البشرية”؛ فبينما يرى السويسري في مواطنه إنساناً يستحق فطوراً مجانياً، يرى بعض ساسة “البام” المتورطين أن المواطن مجرد رقم استهلاكي يمكن تسميمه مقابل مراكمة المليارات. هذا الاستهتار الصارخ يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى الشعارات السياسية التي ترفعها الأحزاب في وقت تصبح فيه الحصانة البرلمانية مظلة لتمرير الأغذية الفاسدة، مما يجعل إصلاح “الأصالة والمعاصرة” يبدأ أولاً من تطهير صفوفه من سماسرة التواريخ الذين حولوا مائدة المغربي إلى ساحة للقمار بأرواح البشر، في ظل صمت مؤسساتي يُنذر بضياع هيبة الدولة أمام نفوذ “الحيتان” التي تقتات على أمعاء الفقراء.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


