معاريف بريس -،أخبار دولية
في عالمٍ تحكمه سطوة الصورة، لم تعد اللقاءات الرئاسية مجرد بروتوكولات سياسية، بل تحولت في عهد دونالد ترامب إلى حلبات نفسية تثير ذعر قادة العالم؛ حيث تلوح في الأفق مخاوف حقيقية من “دبلوماسية الإحراج” التي قد تطيح بهيبة زعماء الدول أمام شعوبهم بلمحة بصر، محولةً كراسي الحكم إلى منصات دفاعية هشة أمام استعلاءٍ أمريكي غير مسبوق.
تحول اللقاء مع دونالد ترامب في الأوساط السياسية الدولية إلى مقامرة كبرى تتجاوز في خطورتها أبعاد التفاوض الدبلوماسي لتصل إلى تهديد الوجود السياسي للقادة أمام شعوبهم.
إن ما يخشاه رؤساء الدول اليوم ليس التباين في وجهات النظر حول التجارة أو الأمن، بل هو “السيرك الإعلامي” الذي يبرع ترامب في إدارته، حيث يتم استبدل البروتوكول بلغة الاستعلاء وفرض الهيمنة الجسدية واللفظية.
بالنسبة للزعيم الذي يزور واشنطن، فإن كل حركة مدروسة، من شدة المصافحة إلى زاوية الجلوس، قد تصبح مادة للسخرية العالمية أو دليلاً على الضعف والتبعية.
ترامب لا يرى في القادة ضيوفاً، بل يراهم “كومبارس” في عرض يهدف لإثبات تفوقه الشخصي، مما يجعل الزعيم الأجنبي يظهر في وضعية “التلميذ الموبخ” الذي يتلقى الدروس أمام كاميرات العالم، وهو مشهد يمثل انتحاراً سياسياً للقادة الذين تعتمد شعبيتهم في بلدانهم على صورة “الرجل القوي” والمستقل.
هذه “الفوبيا” الدبلوماسية تجذرت بشكل أكبر في عام 2026، حيث أصبح القادة يفضلون إرسال وزراء خارجيتهم أو الاكتفاء بالمكالمات الهاتفية لتجنب “فخ الصورة”.
لقد أدرك صُناع القرار في عواصم العالم أن ترامب يستخدم الإهانة كأداة ضغط سياسي؛ فهو قد يحرج رئيساً بالحديث عن ضعف ميزانيته الدفاعية علناً، أو يسخر من مظهر زعيم آخر، أو يتجاهل مد يده للمصافحة كما فعل مع ميركل سابقاً، أو حتى يزيح رئيساً بيده ليتصدر الصورة كما حدث في قمم الناتو.
هذه السلوكيات، وإن بدت عفوية، هي في جوهرها تكتيكات لكسر هيبة الطرف الآخر وجعله يبدو صغيراً في أعين مواطنيه. وبالنسبة لرئيس دولة يواجه معارضة شرسة في بلده، فإن لقطة واحدة تظهر ترامب يتحدث باستعلاء أو يصحح له معلوماته بجفاء، كفيلة بأن تمنح خصومه السياسيين وقوداً لا ينضب لوصفه بـ “التابع” الذي أهان كرامة وطنه، مما يحول مكاسب الزيارة الدبلوماسية إلى خسائر فادحة في صدارة الرأي العام المحلي.
وعلاوة على ذلك، فإن القادة يخشون “الارتجال القاتل” الذي يشتهر به ترامب في المؤتمرات الصحفية المشتركة، حيث يمكن لسؤال واحد أن يدفعه لإطلاق تصريح مهين عن الدولة المضيفة أو تاريخها، واضعاً الزعيم الذي يقف بجانبه في مأزق أخلاقي: فإما الرد والدخول في صدام مع أقوى رجل في العالم، أو الصمت الذي يُفسر كقبول بالإهانة.
هذا التوتر النفسي جعل الأجندات الرئاسية الدولية تتسم بـ “الحذر المفرط”، حيث يتم قضاء شهور في هندسة لقاء قد لا يستغرق دقائق، فقط لضمان عدم خروج ترامب عن النص بشكل يمس “الأنا الوطنية” للدولة الضيفة.
في نهاية المطاف، أصبح الهروب من عدسات ترامب استراتيجية دفاعية، ففي عصر الصورة والشبكات الاجتماعية، لم تعد الدبلوماسية تتعلق بما يتم الاتفاق عليه خلف الأبواب المغلقة، بل بمدى قدرة الزعيم على النجاة من “إعصار الإحراج” الذي قد يطيح بهيبته بلمحة بصر أو بكلمة طائشة.
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


