معاريف بريس – أخبار وطنية
لم يكن قرار تمديد سن التقاعد وفترات الخدمة للكتاب العامين، ومدراء الموارد البشرية، ورؤساء المصالح مجرد إجراء تقني عابر، بل كان في عمقه خياراً سياسياً وإستراتيجياً تبنته حكومة رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران، وصادقت عليه عبر مراسيم وقرارات استثنائية بدأت تتوالى وتتنزّل فعلياً على أرض الواقع بين أواخر سنة 2014 وسنة 2015. لقد حُمّل هذا القانون آنذاك شعار “الحفاظ على استمرارية المرفق العام” ومواجهة “السكتة التقاعدية”، لكنه شكّل في الحقيقة ضربة قاضية لروح المبادرة ومسماراً أخيراً دُقّ في نعش الطموح المهني لآلاف الموظفين.
إن الإصرار الذي شرعنته تلك الحقبة الحكومية لإبقاء “الحرس القديم” في مناصب المسؤولية، تحت ذريعة غياب البديل أو التمهيد لإصلاحات التقاعد المقياسية، كرّس واقعاً مأزوماً يتجرع الموظفون مرارته إلى اليوم؛ واقعاً يملؤه الإحباط واليأس. كيف للإبداع الإداري أن يزدهر في بيئة سدّت منافذ الصعود في وجه الكفاءات الشابة؟ وكيف للموظف الطموح أن يقدم أفضل ما لديه وهو يرى أُفقه المهني مسدوداً بمرسوم، وأمامه كراسي مسؤولية باتت بفعل التمديد المتكرر شبيهة بالملكيات الخاصة لا تطالها رياح التجديد؟
إن خطورة هذا النهج الذي انطلق رسمياً مع تلك القرارات تتجاوز مجرد حرمان أطر الإدارة من حقهم المشروِع في الترقي؛ إنها تصيب عصب الإدارة بـ “السكتة الإبداعية”.
فعندما يدرك الموظف الذي أفنى زهرة شبابه في تطوير مهاراته أن معايير البقاء والصعود لم تعد ترتبط بالعطاء والابتكار، بل بالقرارات الفوقية للتمديد التلقائي، فإن النتيجة الحتمية هي تراجع المردودية، سيادة الروتين المُميت، وتحول المرفق العام من فضاء للتطوير إلى جهاز مشلول يعاني من الترهل والجمود السيكولوجي.
لا يمكن بناء إدارة حديثة، رشيقة ومواكبة لتحديات العصر، بعقلية تخشى مغادرة المناصب، وتفضل تمديد الوضع القائم على حساب ضخ دماء جديدة.
إن سياسة “الكرسي الممدد” التي أرست قواعدها حكومة بنكيران في تلك الفترة هي، في جوهرها، تجميد معلن للتنمية الإدارية، وإقصاءٌ ممنهج للجيل الجديد من القادة الذين تملكهم الإحباط، فآثروا الصمت والحد الأدنى من العطاء، بعد أن اغتيل فيهم الطموح بجرّة قلم إدارية.
أمين الرفاعي
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com