معاريف بريس- أخبار وطنية
تواجه الأنظمة الإدارية الحديثة تحدياً بنيوياً يتمثل في كيفية الحفاظ على استمرارية المرفق العام دون السقوط في فخ الترهل والجمود السيكولوجي.
وفي هذا الصدد، تشكل مسألة “التمديد” للمناصب العليا وسن التقاعد محط نقاش حاد، إذ تعكس المقاربتان المغربية والفرنسية صراعاً مريراً بين حسابات التوازنات المالية والسياسية من جهة، وحق الأطر والكفاءات في الترقي والابتكار من جهة أخرى.
المقاربة المغربية: “عقيدة التمديد” والموت السريري للإبداع
في المغرب، انطلقت الشرعنة السياسية والإجرائية لسياسة “الكرسي الممدد” للكتاب العامين، ومدراء الموارد البشرية، ورؤساء المصالح، بشكل مكثف خلال فترة رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران (خاصة في ذروتها الإجرائية بين 2014 و2015)، كتمهيد لتنزيل خطة “إصلاح التقاعد المُرّ”. وكان المبرر المعلن دائماً هو “الحفاظ على ديمومة المرفق وصيانة ذاكرته الإدارية”.
لكن على أرض الواقع، تحول هذا التمديد إلى سدٍّ منيع ومسمار أخير دُقَّ في نعش الطموح المهني لآلاف الموظفين والشباب. إن الإصرار على إبقاء نفس الوجوه في مناصب المسؤولية بجرّة قلم، حوّل كراسي الإدارة إلى ما يشبه “الملكيات الخاصة” التي لا تطالها رياح التجديد.
هذه السياسة أصابت عصب الإدارة بـ “السكتة الإبداعية”؛ فعندما يوقن الموظف الطموح أن أُفُقه المهني مسدود بمرسوم استثنائي، ينكفئ على نفسه، ويتراجع مردوده، ويسود الروتين المُميت، ليتحول المرفق من فضاء للابتكار إلى جهاز مشلول يعاني من الترهل والجمود السيكولوجي.
المقاربة الفرنسية: المقاومة المؤسساتية وفرملة التمديد القسري
على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، تبدو الصورة مغايرة تماماً في التعاطي مع هذا الانسداد. ففرنسا التي حاولت عبر حكوماتها المتعاقبة فرض تمديد سن التقاعد ورفع السن القانوني إلى 64 عاماً عبر إصلاحات 2023 المثيرة للجدل، اصطدمت بجدار سميك من الرفض النقابي، والاجتماعي، والبرلماني.
ولأن الإدارة الفرنسية تؤمن بأن استمرار الضغط قد يؤدي إلى انفجار سياسي شامل، جاء التراجع الرسمي والتاريخي في أكتوبر ونوفمبر من سنة 2025، عندما صوّت البرلمان الفرنسي على تعليق مؤقت وشامل الأثر لإصلاح نظام التقاعد. هذا التراجع تم تثبيته إجرائياً بحلول ديسمبر 2025 ومطلع سنة 2026، عبر إعلان الحكومة تجميد القانون رسمياً حتى أفق عام 2027. لقد أدركت الدولة الفرنسية — تحت ضغط ملتمسات حجب الثقة وغليان الشارع — أن فرض “التمديد” قسراً يهدد السلم الاجتماعي، وأن مرونة الإدارة تقتضي أحياناً الانحناء أمام رغبة التجديد ورفض الجمود المالي.
المفارقة والصدمة: إدارة تتجدد بالضغط وأخرى تتجمد بالمرسوم
تكمن المفارقة الصادمة عند وضع المقاربتين في ميزان التحليل؛ فبينما تمتلك البيئة السياسية والمؤسساتية في فرنسا قنوات وفرامل (نقابية ونيابية) قادرة على إجبار السلطة التنفيذية على التراجع عن التمديد لحماية التوازن الاجتماعي وضمان ضخ دماء جديدة، تظل الإدارة المغربية وفية للإرث الإداري الذي تأسس في حقبة بنكيران، حيث يُنظر إلى التمديد كحل مريح وسهل لتفادي الفراغ، دون أدنى اكتراث بالثمن النفسي والمهني الباهظ الذي تدفعه الكفاءات الشابة المحبطة.
إن المقارنة بين المسارين تؤكد حقيقة واحدة: لا يمكن بناء إدارة حديثة، رشيقة ومواكبة لتحديات العصر، بعقلية تخشى مغادرة المناصب، وتفضل تمديد الوضع القائم. إن الاستمرار في سياسة “الكرسي الممدد” في المغرب، في مقابل التراجع المرن لفرنسا، هو تجميد معلن للتنمية الإدارية، وإقصاء ممنهج لجيل جديد من القادة الذين آثروا الصمت والحد الأدنى من العطاء، بعد أن اغتيل فيهم الطموح بقرارات حكومية تجاوزها الزمن.
معاريف بريس htpps://maarifpress.com