صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

امشي شوف …هندسة الحرية

أتدبّر إخراجاً مسرحياً للانتظار الذي يسكنني. أُنظمّهُ في رأسي. أقتطع بعض الزمن من عمري أُضحيّ به، وأحاكي حالة من فقد وطناً لمرّة نهائية، وأفتعل سيناريو حداد بسيطا. هكذا، كما لو في مسرحية، أنتظر أن تُسدل الستارة على خلاص لهذه البلاد العربية مجتمعة. أنتظر وصول الخلاص، وأنتظر علامة على هذا الوصول.
قد يكون انتظاري تافهاً جداً، أو مؤثرّاً جداً: في القاهرة ينزلون الى الميدان ويهتفون، في حمص ينزلون ويُقتلون، في اليمن، وفي سائر البلاد العربية وفي فلسطين. إنهم لايبددون عمراً في الانتظار مثلي، ينزلون الى ميادينهم، مبادرين الى الموت كما يفعل من يحب بلده لدرجة الموت من أجله. يموتون بينما لا أفعل سوى الانتظار والكتابة، لكن القلق هو ذاته، لكن الفؤاد المُدّمى هو ذاته.
الانتظارات على أنواعها كلها عظيمة، ولست في وارد خنق انتظاري بحركة ليست تسكنني، ليست فيّ، ولست في رغبة الانفعال أو تحريك قلق الانتظار.
هل أعاني سوء فهم من حيث تحديد مهمتي الحالية إزاء فرادة الاخرين في ميادينهم
وفي موتهم البرّاق (ليتني قوية وفريدة كالآخرين). إن المكان الحقيقي للفرادة تبدو كما لو في الشوارع فحسب وفي الميادين ولستُ في الحقيقة في أيّ منها. قلبي بلى.
لا أريد ان أجادل أحرار الشوارع والميادين في رؤيتهم الهندسية لحرياتهم فلست كفوءة لذلك. لكنني أحسب أن انتظاري القلق وكتابتي تتسع لمثل تلك الحرية، وتدافع عنها وتنتظرها.
لست أحتاج أن أقول للثوار في ميادينهم ان الحرية لا تكون على مثال واحد، ولا الكتابة (أقول لنفسي) وحدها نشداناً للحرية وسبباً لها. الأرجح أن هندسة الحرية في الشوارع والميادين هي سياق تاريخي متعارف عليه وموثوق. لكنها الحرية، تحتمل التــــنافر وتـجــد في التنوع والتوزع (فعل الكتابة مثلاً) ما يشبه فوضوية إنسانية تستدعي جماليات اخرى، كما تحتمل الحرية وعليها ان تحتمل، تلك الجماليات المتأتية من الاختلاف واللاتزامن، وفي الانتظار والقلق أحياناً جمال واعد.
لا أحسب أن ثوار الشوارع والميادين يجدون مثالهم الأنقى في الهتاف وفي الموت، وآمل أنهم وبرحابة صدر يجدون في ‘الكلمة’ الثائرة مثلاً للمقاومة غير مذموم. لا احسب أن الثوار وضعوا حقاً ‘الكلمة’ في مصاف الساقطة ولو فعلوا ذلك لبدت حريتهم ورؤيتهم الى هذه الحرية أقّل تماسكاً.
من الشارع الى الكلمة ومن الكلمة الى الشارع ايّ سباق مُضن. لا أعرف كيف أنتقل من الكتابة الحّارة الساخنة في الحرية، الى الشارع أو الميدان؟ هل هذا الاعتراف يصمني بأية تهمة اخلاقية، أو ينتقص من انتمائي الوطني ورغبتي بالخلاص من عدم المرحلة وعدم الرجاء؟ أحسب أن أبداً. التهمة الأخلاقية تسري على غير العابئين، على العابثين وغير المعنيين بكل ما يجري من مخاضات، فلا يشاركون في مسيرة، ولا يكتبون في الحرية وفي مقاومة الباطل ورخاوة العدالة الاجتماعية. البعد عن القضية الوطنية العادلة وحدهُ يملك قابلية الإدانة بالتهم اللاأخلاقية واللاوطنية.
لأمر ما لا يريد البعض أن يرى في الكتابة فعلاً ثورياً لا يقل ثورية عن أيّ تعبيرات
أخرى. الأرجح أن سوء الفهم بين الناس الثائرة في الشوارع وبين ناس الكلمة المتدثرة في بيوتها، هو حاصل ابتعاد الأخيرة عن عامة الناس، عن همومهم وأمورهم الحياتية البسيطة. لن أفصّل كثيراً لكني أقول أن تجربة ‘المثقف’ عندنا هدّمت العلاقة بينه وبين الناس، وأطاحت بكل ودّ ووضعت على المحك فعل الكتابة بأصنافها كلها كما لو في ميزان واحد مكسور وتالف، واجهزت بالفعل على لغات ونبرات ومواد وأفكار كادت تكون نصيراً وعوناً لمطلق ثورة لو اقتربت أكثر من الناس متخلية عن غرورها.
لا أريد للأدب أن يكون عامياً ورخيصاً، أريد له محاكاة المرحلة والاقتراب من الثورات التي تصنعها العامّة اليوم بمشاركة أطياف اخرى تطال كل التصنيفات وكل فئات الشعب. لا أريد للأدب أن يفاوض ويهادن وينزل الى الشارع، لكن على كلماته حالياً أن تتعفر بتراب تلك الشوارع حتى وهي خلف مكاتبها، وتأسف من دهر مضى جعلت من نفسها امبراطورة ومن الناس عبيداً لها.
يتدافع الناس الذين طحنهم القهر والظلم، الى الميادين التي ما عادت ميادين، صيّرتها الناس بيوتاً ومساكن لهم، وفيها الهتاف يأكلون ويشربون منه. هكذا لن نجد أمامنا سوى الحرية ولا عودة الى دواخل الحيطان المظلمة.
الحرية وحدها الى ما لا نهاية، موصولة بالأفق والسماء، ولا شيء بعدها أو سواها .
من الآن ستتوالد كتابة على قدر هذه الحرية، سيتوالد كل الأدب من الحرية وفي الحرية، وسترتسم المرحلة كلها، المرحلة الفاصلة والاستثنائية على الصفحات البيضاء، والحرية جذرها وعنصرها الوحيدان. لقد اخُتزل العالم العربي بهذا المدى الأزرق المرتفع فوق كل شيء. الحياة على راحتها وعلى وسعها الآن. أعمارنا لم تعد أفقية بعد، أصبحت عميقة بانورامية. أوقاتنا اليوم ميدانية، مشفوعة بساعات الكتابة التي تعاضد المرحلة والناس، في الخارج حيث يلتقي الحشد بالمدى.. بالأفق.


عناية جابر

بتصرف

معاريف بريس

www.maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads