صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

سبتة… حين تنتقل الحرب من الحدود إلى العقول

معاريف بريس – آراء ومواقف

 

بقلم : د. حميد غونو

 

لعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في أزمة سبتة الأخيرة ليس فقط حجمالموجة البشرية التي اندفعت نحو المدينة، ولا الصور الصادمة التي تناقلتهاالشاشات، وإنما ما بدأ يتكشف من معطيات تعيد ترتيب الأسئلة حول ماجرى. فقد خلص تقرير منسوب إلى المخابرات الإسبانية إلى أن المغرب لميخطط لموجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي.

هذه الخلاصة تضعف بوضوح الرواية التي سارعت إلى اختزال ما حدث فيكونه عملية مغربية مخططا لها سلفا، وتنقل النقاش إلى منطقة أكثر تعقيدا،  كيف تحولت واقعة اجتماعية إلى موجة جماعية بهذا الحجم؟، ومن أينجاءت التعبئة؟، وكيف أمكن لمعلومة أو شائعة متداولة في الفضاء الرقمي أنتتحول إلى سلوك جماعي عابر للحدود؟.

وهنا تبدأ قصة أخرى لسبتة، قصة لا تدور كلها عند الأسلاك والحواجز، وإنما داخل الهواتف والشاشات والعقول.

فالحديث عن عدم وجود تخطيط مغربي مباشر لا يعني بالضرورة أن كل ماجرى كان عفويا بالمعنى البسيط للكلمة. ذلك أن الأحداث الكبرى قد تنشأ منتفاعل عدة عوامل في وقت واحد،  هشاشة اجتماعية، رغبة في الهجرة، شائعات رقمية، أخبار مبتورة، خوارزميات تدفع المحتوى الأكثر إثارة، وربماأطراف ترى في تضخيم حدث معين فرصة لتحقيق أهداف سياسية أوإعلامية. وفي مثل هذه الحالات يصبح من الصعب الفصل بين ما بدأ عفوياوما جرى استثماره لاحقا، وبين من صنع الحدث ومن استفاد منه. ومازالالحشد والتوجيه الرقمي مستمر لمزيد من الهجرة والنزوح.  

وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم الحرب الهجينة حاضرا في قراءة ما جرى، ولكن بحذر شديد، لأن استعمال هذا المفهوم لا ينبغي أن يتحول إلى اتهامجاهز لأي طرف من دون ظهور أدلة. فالحرب الهجينة لا تعني بالضرورة أنهناك جهة واحدة تجلس خلف شاشة وتدير كل شيء، وإنما قد تعنياستغلال نقاط الضعف القائمة أصلا، وتضخيمها، وتحويلها إلى أزمةسياسية وأمنية وإعلامية تتجاوز حجمها الأول.

لقد تغيرت طبيعة الصراع في عالمنا. لم تعد الحدود وحدها هي المكان الذيتتواجه فيه الإرادات والعساكر، ولم يعد السلاح هو الأداة الوحيدة لإرباكالخصم. أصبحت المعلومة نفسها أداة قوة، وأصبحت الصورة قادرة علىصناعة الحدث بقدر ما هي قادرة على نقله.

وهنا تكمن خطورة ما كشفه  أيضا التقرير الإسباني المذكور بشأن نشاطالحسابات والمجموعات الرقمية التي لم تقتصر، بحسب المعطيات المتداولة، على بلد واحد، وإنما امتدت إلى الجزائر وتونس وفرنسا والمغرب والولاياتالمتحدة الأمريكية، كما أن المحتويات المشجعة على الهجرة لقت تفاعل ملايينالأشخاص. فهذه النقطة تحديدا تستحق التأمل، لأنها تجعل المسألة أكبر منمجرد علاقة ثنائية بين الرباط ومدريد. إنها تفتح الباب أمام فضاء معلوماتيعابر للحدود، لا تعرف فيه الرسالة السياسية حدودا جغرافية، ولا يمكنبسهولة تحديد مصدرها الحقيقي أو الجهة التي تقف وراء انتشارها، تماماكما حدث في  تجربة جيل ز،  التي خرجت بدورها من مختبرات وسائلالتواصل الإجتماعي. وانتهت بالشغب والتخريب والمحاكمات والسجن.

ولعل الأخطر في الحرب المعلوماتية أنها لا تحتاج دائما إلى اختراع كذبةكاملة. يكفي أحيانا أن تؤخذ حقيقة جزئية، وأن تقتطع من سياقها، ثم يعادتقديمها بصورة تجعلها تبدو حقيقة مختلفة. وقد تتحول تجربة فردية إلىقاعدة عامة، ومعلومة قانونية محدودة إلى وعد بالقبول، وفيديو قديم إلى دليلعلى واقع جديد، ثم تنتقل الرسالة من شاشة إلى أخرى حتى تفقد مصدرهاالأول وتكتسب، بفعل التكرار، قوة الحقيقة.

لقد أصبحت للهجرة عموما والهجرة غير النظامية تحديدا ثقافة رقمية خاصةبها. فهي لا تنتقل فقط عبر الأخبار، وإنما عبر الأغاني والحكايات ومقاطعالفيديو وتجارب من سبقوا  إلى أوروبا، وسرديات مثيرة ومحفزة  وأصبحالفضاء الرقمي بالنسبة إلى كثير من الشباب نافذة على عالم يبدو أقرب مماهو عليه في الواقع.

إن ما حدث في سبتة ينبغي ألا يقرأ فقط باعتباره أزمة حدود، بل باعتبارهأيضا أزمة معلومات.  وإذا كانت الدولة قادرة على تشديد المراقبة الأمنية، فإنها تصبح أكثر حاجة إلى امتلاك سرعة مماثلة في التواصل، لأن الفراغالمعلوماتي لا يبقى فارغا طويلا؛ سرعان ما تملؤه الشائعة والتأويل والمبالغة.

وإذا كان التقرير الإسباني قد نفى التخطيط المغربي المباشر، فإن ذلك لايلغي الإشارة لما اعتبره تساهل المغرب مع الحشود، لكنه يفرض أيضا قراءةأكثر توازنا. فالدولة المغربية كانت، بحسب المعطيات المتداولة، أمام موجةبشرية هائلة تحركت بسرعة، في ظرف حساس، وكان عليها أن تتعامل معهاأمنيا وإنسانيا في آن واحد. كما أن إشادة وزير الخارجية الإسبانيبالتعاون المغربي ليست تفصيلا ثانويا، لأنها تؤكد أن العلاقة بين الرباطومدريد، رغم خلافاتهما التاريخية والسياسية، تظل قائمة أيضا على مصالحأمنية مشتركة، وعلى الحاجة إلى التنسيق في ملفات الهجرة ومحاربةشبكات الاتجار بالبشر والمخدرات وحماية الحدود.

أما توقيت الأحداث، الذي تزامن مع أجواء عيد العرش، فيظل من المعطياتالتي تستحق التأمل السياسي والإعلامي، من دون أن يتحول إلى دليل علىوجود مؤامرة. فالتزامن وحده لا يثبت التخطيط. لكنه يفسر لماذا كان وقعالمشهد أشد على الوعي المغربي، ولماذا أصبح الحدث قابلا للاستثمارالرمزي والإعلامي، خصوصا عندما انتشرت صوره على نطاق واسع فيلحظة وطنية ذات حمولة عاطفية قوية.

لقد جاء المشهد، بالنسبة إلى كثير من المغاربة، صادما ومؤلما. فبعد سنواتمن استعادة الاعتزاز الوطني، ومن الصور التي جعلت الراية المغربيةوالقميص الوطني رمزين للفخر في مختلف أنحاء العالم، جاءت مشاهد آلافالشباب وهم يندفعون نحو سبتة لتطرح أسئلة أعمق من سؤال الهجرةنفسها. أسئلة تتعلق بصورة الشباب عن المستقبل، وبثقتهم في الغد، وبقدرةالدولة والمجتمع على حماية أبنائهما من وهم الطريق السهل إلى أوروبا.

وينبغي هنا ألا نخطئ في تحديد الخطر. فليس كل من شارك في هذه الموجةعميلا لجهة ما أو متنكرا لوطنه، وليس كل مهاجر أداة في لعبة جيوسياسية. الإنسان الذي يبحث عن مستقبل أفضل يظل إنسانا قبل أن يكون رقما فيمعادلة أمنية. لكن مأساة الإنسان يمكن أن تتحول، في سياق الصراعاتالحديثة، إلى مادة للاستثمار من أطراف أخرى. وهذا هو الفارق الذي ينبغيالانتباه إليه، وقد رأينا وسمعنا المواقف  الأوربية والإسبانية المتجهمة والمتنمرةوالغاضبة من المغرب  ومن إسبانيا ومما حدث، خصوصا التي تنهل منشعبوية اليمين وانتهازية اليسار.

لهذا،  فسبتة لا يمكن فصلها عن التاريخ المعقد للعلاقات المغربية الإسبانية. فهي بالنسبة إلى المغرب قضية مرتبطة بالسيادة والذاكرة والتاريخ والترابالوطني، بينما تمثل بالنسبة إلى إسبانيا موقعا استراتيجيا وأمنيا حساسا. وبين الرؤيتين توجد علاقة أكثر تعقيدا من مجرد الخلاف، لأنها تجمع أيضاالمصالح الاقتصادية والأمنية والتجارية والهجرة والتعاون في مواجهةالإرهاب والجريمة المنظمة.

ولهذا فإن أي أزمة في سبتة تتجاوز المدينة نفسها. فموقعها عند بوابةالمتوسط، بالقرب من مضيق جبل طارق، يمنحها قيمة جيوسياسية إضافية، خصوصا في عالم أصبحت فيه الممرات البحرية والطاقة والأمن البحريعناصر أساسية في الحسابات الدولية. وما يجري في غرب البحر المتوسط لايمكن عزله عن التحولات الأوسع التي يشهدها العالم، حيث أصبحت مناطقالعبور الاستراتيجي كمضيق هرمز بكل مايعنيه من توثر جزءا من صراعالنفوذ والمصالح،

وفي هذه البيئة لا يمكن تجاهل البعد الجزائري أيضا، بالنظر إلى طبيعةالتنافس المغربي الجزائري، الذي يشبه إلى حد بعيد لعبة «حافة الهاويةفي إدارة الصراع، اللعبة الطويلة الأمد الت تقوم على اختبار الإرادة والصبروالقدرة على تحمل الكلفة، أي الاقتراب من الخطوط الحمراء دون الانزلاق إلىمواجهة مباشرة.  لكن من الضروري هنا الفصل بين فرضيةوجود قابلية للاستثمار السياسي وبين إثبات وجودتدخل مباشر. فالسؤال عن المستفيد من الأزمةمشروع، أما تحويله إلى اتهام فيحتاج إلى أدلة. وفيالحروب الهجينة تحديدا قد لا تكون الجهة المستفيدةهي الجهة التي صنعت الحدث، وقد لا تكون الجهةالتي ضخمته هي التي أشعلت شرارته الأولى.

لذلك فإن الدرس الأهم من سبتة ربما لا يكمن في معرفة من دفع أول شخصنحو الحدود، وإنما في فهم كيف تحولت آلاف الرغبات الفردية إلى حركةجماعية، وكيف استطاع الفضاء الرقمي أن يمنحها السرعة والاتساع؟، وهلتم تبادل المعلومات الأمنية الإستباقية مع المغرب  من قبل شركائه الأمنيين، حول هذا الحشد الرقمي الذي تعرض له الشباب.

أسئلة تبين أن الحروب القديمة  إن كانت تبدأ عندما تطلق المدافع قذائفها. فإن الحروب الجديدة مثل التي تعلن اليوم في عقول الشباب، تبدأ أحيانابرسالة على هاتف، أو بصورة مجهولة المصدر، أو بفيديو يختصر الحقيقةفي ثوان، أو بإشاعة تجد طريقها إلى آلاف العقول قبل أن تتمكن المؤسساتمن نفيها.

ففي حروب الماضي كان السؤال: من أطلق النار أولا؟ أما في حروب اليوم، فقد يكون السؤال الأخطر: من نجح أولا في تغيير إدراك الناس لما يحدث؟

وحيث تكمن دلالة سبتة الحقيقية، فالحدود لم تعد ترسم فقط على الخرائط، وإنما أصبحت ترسم أيضا داخل الوعي.

 

معاريف بريس htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads