إن حقيقة الإفلاس في دولنا العربية، حيال دعم الكفاءة وتطويرها، من خلال إيجاد الفرص العملية المناسبة بما يتوافق مع التأهيل العلمي لتلك الكوادر، لا يدع مجالاً للشك في أن دولنا العربية تعاني ضعف استغلال الموارد البشرية بطريقة صحيحة، وما يترتب على ذلك من ضعف في كيفية اتخاذ القرارات، والتخطيط والإدارة بطريقة إيجابية، وتحقيق للأهداف المرجوة في القطاعين الحكومي والخاص.
وكثير من النماذج تظهر ذلك بوضوح، فمثلاً عندما يعين شخص لا تتوافق مؤهلاته وخبراته مع حجم المكان الذي وضع فيه، وهذه حقيقة موجودة في جميع بلداننا العربية ومبنية على قناعة أن الولاء يأتي قبل الاختصاص، فنجد شخصاً يحمل مؤهلاً أكاديمياً يغلب عليه البيروقراطية والروتين البالغ التعقيد، وتوكل إليه مهمة إدارة مجموعة من الأفراد وتقديم خدمه للعملاء بجودة وكفاءة عالية، ولكن النتيجة تعقيد في الإجراءات وفشل في احتواء الموظفين والإلمام بأبسط أنظمة العمل وخلق روح من الانسجام مع فريق العمل، ما يتسبب في كوارث لا تظهر نتائجها إلا بعد فترة من تكليف ذلك الشخص بالعمل، ويترتب عليها فشل في تحقيق استراتيجيات الجهة أو بعض أهدافها ورسالتها.
كما تجد مثلاً أكاديمياً طوال عمره يعيش بين الكتب والأبحاث والعمل الجامعي، ثم تأتي فجأة لتقحمه في كواليس الأعمال الإدارية من دون أية خبرة أو تأهيل يتوافق وحجم المهمات الموكلة إليه، فإذا به يتعامل مع الموظفين وكأنهم طلاب جامعيون، ويستخدم منطق العصا والجزرة في عقابهم ومكافآتهم على إنجازاتهم، ما يخلق بيئة عمل غير صحية، وتؤثر في طريقة إدارة العمل.
في عدد من المواقف أثبتت نظرية «الولاء» من دون النظر إلى «الكفاءة» أنها فاشلة، فلا يطبقها أو يحبذها الغرب، إذ إن تلك القاعدة من الممكن أن تنجح في ظل وجود موهبة لدى الشخص لإبراز تلك الموهبة ووضع بصمة وإثبات أن اختياره كان مناسباً، وتظهر على رغم بعض السلبيات في إدارته العمل.
الأكثر مرارة وصعوبة هو تكليف شخص غير كفء عملياً وأثبت فشله في منصب سابق، وعلى رغم ذلك يمنح موقعاً أكبر، بحكم الولاء، وقد تكون أبعاد تلك المشكلة أكبر، من وجهة نظري، بكمية المشاعر المحبطة للمجموعة التي سيكون مسؤولاً عنها وانطباعاتهم حول تلك الثقة المفرطة التي تأتي في غير محلها بمثل هؤلاء الأشخاص، في حين أن كثيراً من العقول العربية المهاجرة صُدمت من تلك المواقف التي أجبرتها على الإحساس بالإحباط واضطرتها إلى الهرب إلى بلدان تفرق بين الولاء والكفاءة والمحسوبية، وللأسف لم نحس بفقدانهم إلا حين أثبتوا نجاحهم وتميزهم في دول غربية لا تعرف قواعدنا الغريبة، التي جعلتنا ننعت بـ«دول العالم الثالث».
معاريف بريس
www.maarifpress.com
سعد الدوسري* أكاديمي سعودي.