جميلة جدا مبادئ الثورة، رائعة مقولات جيفارا و لوثر كينغ و غاندي و غيرهم من ثوار التاريخ و صادقة معتقدات الراغبين في البحث عن فضاء أرحب للحرية، ولكن الأروع و الأجمل هو أن ترتبط كل هاته المبادئ بصدور طاهرة تدرك معناها الحقيقي و تحفظها ثم تدافع عنها بصدق، و خير مثال على هذا ما أسلفناه أعلاه في مجمل حديثنا عن وائل غنيم و شباب 25 يناير.
بعد نجاح ثورتي تونس و مصر انتشرت في الوطن العربي أفكار جديدة تتحدث عن الحرية و الكرامة و ضرورة تكاتف قوى الشعب من أجل إجبار الأنظمة على تحقيق مطالبها المشروعة، و على هذا الأساس ظهرت في المغرب حركة تطالب بتنظيم تظاهرة سلمية يوم 20 فبراير (التاريخ كان 27 فبراير قبل أن يتغير) و بالبحث قليلا عن رواد هاته الحركة سيتبين أن أول شخص فيها هو شاب من مدينة سلا، من مواليد 1992 و يدعى أسامة الخليفي.
لن أتحدث هنا ضرورة إقامة مسيرة تظاهرية في المغرب من عدمه، لأن الأغلبية الساحقة من المغاربة يدركون أن وضع المغرب مختلف عن تونس و عن مصر، فنحن نعيش في دولة تسير وفق نظام ملكي اكتسب شرعيته منذ 12 قرنا؛ صحيح أننا نعاني كغيرنا من الكثير من مظاهر النزق و العبث و غرق النخب السياسية في مستنقعات الفساد، و لكننا و الحق يقال ركبنا قطارا تنمويا قفز بنا قفزة نوعية في السنين الأخيرة، لنا الحق في المطالبة بتغييرات كثيرة، من قبيل قطاع الشغل و إجراء العديد من الإصلاحات السياسية، و لكن مع اليقين التام أن شكل الاحتجاج يختلف تماما عن أشقائنا في مصر و في تونس.
ما دفعني إلى كتابة هاته التدوينة حقيقة هو تلك المجموعة التي منحت نفسها الحق في الحديث باسم المغاربة و طالبت و تطالب بإقامة مسيرة احتجاجية يوم 20 فبراير .. بعد بعض البحث و التقصي خرجت بالخلاصات التالية :
- أول ما يثير الانتباه في هذا الموضوع هو أسامة الخليفي نفسه، مراجعه الفكرية و الإيديولويجية – إن وجدت – و خلفيات مطالبه و طبيعتها، و قبل هذا و ذاك شخصيته المثيرة للجدل، فهذا “الشخص” الذي نصب نفسه قائدا للثورة المفترضة لا زال لم يغادر بعد مرحلة المراهقة التي طالت على ما يبدو أكثر من اللازم، فالصور التي وجدت له تخبرنا أنه من أولئك المتحذلقين الفخورين بالعربدة و الفاحشة باعتبارها -كما يعتقدون وهما – دليلا على الرجولة و النضج؛ فمن ينشر صورة له مع قنينات الخمر و علامات الزهو و الفخر بها بادية على محياه لا يمكن أن يكون في نظري إلا تافها لا يدرك المعنى الحقيقي للحياة؛ هذا من جهة؛ من جهة أخرى فصفحة “بطلنا” على الفايسبوك، و معها الكثير من التصريحات و الخطابات التي نقلت عنه تنزع القناع عن شخصية مريضة تائهة اختارت الإلحاد و الهجوم السافر على الدين الإسلامي و رموزه منهجا في الحياة، فقد بلغت به الخسة درجة النيل من الذات الإلهية و العياذ بالله، دون أن نغفل مواقفه المعادية للوحدة الترابية و علاقاته المشبوهة مع الانفصاليين. هل يمكن لشخص كهذا أن يقود حركة فكرية في وطن أنجب المهدي بن بركة و علال الفاسي و ابراهام السرفاتي و حميد برادة و غيرهم كثر من رواد النضال الحقيقي على مر التاريخ؟؟؟
- بالعودة إلى صفحة الحركة المزعومة على الفايسبوك، سنتفاجأ جميعا بطغيان خطاب عرقي مفضوح تجسده عبارات من قبيل “أمازيغ إلى الأبد” أو “ريفيون إلى الأبد” أو “عرب إلى الأبد” أو “صحراويون إلى الأمام” ، مع غياب شبه تام للفكر الوحدوي الذي يميز كل الحركات الثورية الحقيقية، فإذا كان غنيم و من معه ناضلوا من أجل مصر و مستقبل مصر، و إذا كان البوعزيزي وضعة لبنة الثورة من أجل “تونس الحرة”، كيف ستكتسب حركة 20 فبراير مصداقيتها و هي تجسد لمبادئ التمييز العرقي و الديني؟؟
- تعتبر “المبادئ” حجر الزاوية لكل صرح فكري يريد فرض نفسه وسط الشعوب، لهذا كان ضروريا الاطلاع على أسس تيار 20 فبراير المزعوم، و لكم أن تتخيلوا ما يمكن أن يدعو له شخص ملحد يهاجم مبادئ الدين في بلد يعتز أبناءه بإسلامهم و يعتبرونه منهجهم الأول في الحياة، يكفي أن أذكر – دون الخوض في تفاصيل أكثر قد تبدو حشوا في سياق الكشف عن أسرار المجموعة التافهة – أن أهم بند في مطالب الحركة هو تحويل المغرب إلى دولة علمانية و تجريدها من هويتها الإسلامية؛ إذا كان هؤلاء قد حذوا حذو أشقائنا في تونس، عليهم أن يتذكروا أن ثورة الياسمين ارتكزت على إعادة الاعتبار للمبادئ الإسلامية التي طمسها نظام بنعلي؛ من هنا نفهم إذا أن ما ينظِّرون له لا يعدو كونه دعوة مفضوحة لتقويض أركان المجتمع من خلال المطالبة بتحويله إلى كيان دون هوية.
- الظرفية التي أنجبت الفكرة هي أيضا موضع شك و ريبة كبيرين، فبالرغم من أن أنها تبدو في الظاهر امتدادا للدينامية التي يعرفها العالم العربي في الشهرين الأخيرين، إلا أنها في الحقيقة تصادف مرحلة حساسة جدا يمر بها المغرب : من جهة، لم يمر إلا وقت قصير على أحداث مدينة العيون و ما أعقبها من تكالب لوسائل الإعلام المعادية لبلادنا، من جهة ثانية فوثيرة الإصلاح تعرف أوجها بعد سلسلة الهزات التي عرفتها مجموعة من أوكار الفساد التي سيق أفرادها للمحاكمة (الحسيمة، سلا و غيرها)، و من جهة ثالتة، فالتاريخ الأولي الذي اختير للتظاهرة كان هو 27 فبراير، و لمن لا يدرك معنى هذا التاريخ، فهو نفسه الذي رأت فيه منظمة مرتزقة البوليزاريو النور، حتى و إن فطن أولئك للأمر و غيروه، فرمزيته تبقى هي نفسها، و لعل هذا الأمر هو ما يبرر تأكيد الكثيرين لأن الخليفي و من معه ينفذون أجندة معينة أمليت عليهم من أطراف خارجية.
تلكم كانت مجموعة من الخلاصات التي خرجت بها بعد تفكير و تأمل عميقين، و التي خرجت من خلالها بقناعات عدة أهمها ان المغرب يسير رويدا رويدا نحو تحقيق الإقلاع الديمقراطي الحقيقي دون الحاجة لإحداث فتنة قد لا نعي عواقبها؛ أضف أن هذا الشعب أكبر من أن ينساق وراء “بيدق” مريض تحركه خيوط خفية لا يدرك هو نفسه ما ترمي إليه.
و لأننا اليوم نحتفل بإخواننا في مصر و نهنئهم على نجاح ثورتهم الصادقة، ساستشهد بما قاله العم أحمد فؤاد نجم يوما لكي أبعث رسالة واضحة لأسامة الخليفي اتمنى أن تصله : يا لي فتحت البتاع .. فتحك على مقفول.
محمد حمزة الهيلالي
طالب باحث بكلية الحقوق بمكناس
معاريف بريس
www.maarifpress.com

