معاريف بريس – اقتصاد
يمثل قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بالانسحاب من تحالف “أوبك” و”أوبك+”، الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من مايو 2026، منعطفاً تاريخياً يتجاوز في أبعاده مجرد تنظيم حصص الإنتاج النفطي، ليصاغ كرسالة سياسية حادة تعكس عمق التحولات الجيوسياسية في المنطقة.
هذا القرار الذي استندت فيه أبوظبي إلى مبررات أمنية تتعلق بتصاعد التوترات الإقليمية وغياب الحماية الكافية لمنشآتها النفطية، يضع حلفاءها التقليديين، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، أمام واقع جديد يتسم بتفكك وحدة القرار النفطي الخليجي الذي ظل لعقود صمام أمان لاستقرار الأسواق.
وفي العمق السياسي لهذا التحول، يبرز اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كأحد أكبر الرابحين من هذه الخطوة؛ فلطالما اعتبر ترامب منظمة “أوبك” عائقاً أمام تدفق النفط بأسعار تنافسية، واتهمها صراحة باستغلال العالم عبر رفع الأسعار صناعياً تحت غطاء الدعم العسكري الأمريكي. وبخروج الإمارات، التي تُعد منتجاً كبيراً ومتقدماً تقنياً، تتحرر قدرتها الإنتاجية من قيود الحصص، مما يمنحها مرونة في ضخ كميات أكبر من الخام، وهو ما ينسجم تماماً مع الرؤية الأمريكية الرامية لإضعاف قدرة الكارتلات الدولية على التحكم في اقتصاديات الطاقة العالمية، ويشكل في الوقت ذاته ضربة لاستراتيجيات دول “أوبك+” وفي مقدمتها روسيا.
إن هذه الخطوة لا تقتصر تداعياتها على ميزان العرض والطلب، بل تمتد لتطال مفهوم “الأمن مقابل النفط”؛ فمن خلال التحرر من التزامات المنظمة ومقرها في فيينا، تبدو الإمارات وكأنها تقايض “التضامن الجماعي” بتحالفات ثنائية أكثر مباشرة وبرغماتية، خاصة مع واشنطن، بحثاً عن ضمانات أمنية أكثر فعالية.
ومع تزايد الضغوط المحتملة على الأسعار نتيجة زيادة المعروض الإماراتي المتوقعة، يجد التحالف النفطي العالمي نفسه في مواجهة اختبار وجودي، حيث قد يمهد هذا الانسحاب الطريق أمام دول أخرى لمراجعة جدوى البقاء تحت مظلة المنظمة، مما يهدد بإنهاء الحقبة التي كان فيها “الإجماع النفطي” هو المحرك الأساسي للاقتصاد والسياسة الدولية في الشرق الأوسط.
م.غاني/ محرر اقتصادي
معاريف بريس Htpps://maarifpress.com


