صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

الاستجواب الصحافي أقسى عقاب !

يقول المبدأ القانوني والأخلاقي السامي الذي تنادي به جميع منظمات حقوق الإنسان وكل من يؤمن بسيادة القانون: ‘لا للانتقام، نعم للعدالة’. والانتقام المقصود من نوعين. الانتقام المباشر الذي يمكن أن يقدم عليه المظلوم لو أمكنه الله من ظالمه. والانتقام المداور الذي يأتي نتيجة إجراءات قضائية شكلية أو محاكمات صورية. الانتقام الأول قد يكون مفهوم الدوافع، لكنه ينتهك قاعدة عدم جواز أن يأخذ المواطن حقه بيده. أما الانتقام الثاني فقد يفسره السياق السياسي أو التاريخي، لكنه لا يبرره. إذ إنه مما يمارسه الطغاة ضد معارضيهم ومنتقديهم. تنكيل وشفاء للغليل يتستران خلف مظاهر ‘العدالة’ التي تعلو فوق الجميع و’القضاء المستقل’ الذي لا يأتمر بأمر أحد. كما أن هذا الانتقام هو مما يمارسه الانقلابيون ضد أسلافهم من الحكام. ‘محاكمات ثورية’ واعترافات، ومذابح وتصفيات تسمى إعدامات بأمر القضاء.
وغني عن البيان أننا، نحن العرب، راسخون في ثقافة الانتقام بحيث لا نلتزم حياد العدالة ونزاهتها إلا في فترات أو حالات قليلة. ولهذا فإن التأكيد على قاعدة ‘لا للانتقام، نعم للعدالة’ قد أصبح من أوكد الواجبات في بلداننا، نظرا إلى أن اللحظة التاريخية الحالية تنطوي على احتمال تقديم أكثر من طاغية عربي مخلوع (مع بعض أفراد العائلة والحاشية) للمحاكمة. لكن لو فرضنا أن فكرة الانتقام لم تعد مطروحة البتة، فلا بد مع ذلك من الإقرار بأن هنالك للمسألة، بقدر ما تتعلق بالعدالة، جوانب أخرى تقتضي النزاهة عدم إغفالها. صحيح أن محاكمة الطاغية وأعوانه هي حق مشاع لكامل الشعب الذي حكمته طغمة دنيئة ليس لها ولو ذرة من جدارة. طغمة أدنى من الشعب مستوى وطنيا وأخلاقيا وعلميا. وصحيح أن هذه المحاكمة هي حق عيني لكل مواطن قاسى القهر اليومي وانسداد أفق الأمل عقودا من العمر طالت حتى كأنها الأبد… معاقبة المجرمين من طبائع الأشياء: ‘ولكم في القصاص حياة’. كما أن جنة ‘الإفلات من العقاب’، التي طالما نعم بها المجرمون، قد صارت الآن من أكبر المحرمات الإنسانية في أي مجتمع بلغ الرشد السياسي.
كل هذا صحيح. لكن الصحيح أيضا أن هنالك حقوقا إنسانية كبرى ليس في وسع العدالة أن تردها لأصحابها مهما اجتهدت. فما أضعف العدالة البشرية وما أعجزها عن بلوغ الحق وإنصاف المظلومين والضعفاء، ناهيك عن القتلى والشهداء! إذ ماذا يمكن للإنسانية جمعاء، ولو جمعت كل حكمائها واستجمعت كل ما أوتيت من عدل القضاء، أن تفعل لو قدر للقذافي أن يقف في قفص الاتهام؟ ما هو القصاص الذي يمكن أن يتناسب مع عبثية إجرامه في الحكم والسلم والحرب؟ وهل في وسع العدالة البشرية أن تتفتق عما يمكن، لو قضت به، أن يتناسب مع بؤس الدرك الأسفل الذي أصر مبارك على أن يجر دار الكنانة إليه؟ وأي نوع من العقاب يمكن للعدالة البشرية أن تأتي به حتى ينال بن علي جزاء ما سلطه على عشرات الآلاف من المواطنين من تعذيب وحشي؟ وحتى ينال جزاء مئات السنوات من أحكام السجن (الحرمان من الحق في الحرية) التي قضت بها ‘عدالته’؟ وجزاء مئات الأرواح (الحرمان من الحق في الحياة) التي أزهقها ‘أمنه’ غيلة أو تحت التعذيب؟
أقصى ما يمكن أن تحققه المحاكمات هو كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات. وهذا في حد ذاته كاف حتى يصير الاستبداد وأصنامه عبرة دائمة لنا و’حتى لا يتكرر هذا أبدا’. فلتعقد المحاكمات إذن. لكن للتدبر والاعتبار أساسا، لا للعقاب. فهل من معنى لقطرة من عقاب إزاء محيط متلاطم من الجريمة؟ إن كان لا بد من عقاب أصلا، فيكفي الطاغية المخلوع عقابا أن يخضع لاستجواب صحافي صارم!
إلا أنه لا مناص من الاعتراف أن أسباب مناشدتنا، هنا، الأمة العربية الرأفة بطغاتها لا تقتصر على مناهضتنا المبدئية لثقافة العقاب، بل إن لها أيضا علاقة باعتقادنا الراسخ أنه ليس هناك في مثل هذه الحالات امتحان أعسر على ‘الظالم المستبد حبيب الظلام عدو الحياة’ (كما يقول الشابي) من الحوار أو الاستجواب الصحافي (لا الاستجواب البوليسي الذي يسمى في بعض البلاد استنطاقا!). ذلك أن الصحافة تستطيع النفاذ إلى مواضع ومواجع لا يبلغها القضاء.
وغني عن القول أنه لم يخضع أي من هؤلاء الطغاة لحوار صحافي حقيقي يضطر فيه إلى استخدام الذكاء البشري. ولهذا فإن أقسى العذاب في رأينا هو أن يخضع الطاغية المخلوع لمساءلة صحافية مركزة تكون بمثابة الامتحان التاريخي. مساءلة ينهزم فيها فخامة الصنم أمام العقل الفاحص والفكر الناقد.

 

معاريف بريس

مالك التريكي

www.maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads