صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

الريكونكيستا الناعمة، إسبانيا تدخل الصحراء المغربية من بوابةالجنسية

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

بقلم حميد غونو

ليس أخطر ما في السياسة أن تتغير المواقف، فالدول تتغير مواقفها حينتتغير مصالحها، وليس غريبا أن تعيد العواصم الكبرى ترتيب أوراقها كلماتبدلت موازين القوة. لكن الأخطر هو أن تتحدث الدولة بلغة، ثم تمارس مايوحي بلغة أخرى،  كأن تعلن أمام صديق التزامها بالشفافية، ثم تفتح فيالاتجاه المعاكس مسارا تشريعيا يمكن أن تكون له انعكاسات سياسيةتتجاوز بكثير عنوانه القانوني.

وفي هذا السياق تبرز قضية مشروع القانون الإسباني المتعلق بتسهيلحصول الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم علىالجنسية الإسبانية، وما يمكن أن يحمله هذا المسار من دلالات تتجاوز مجردتسوية وضعيات مدنية لأشخاص عاشوا جزءا من تاريخهم تحت الإدارةالاستعمارية الإسبانية.

فإسبانيا ليست دولة بعيدة عن قضية الصحراء. إنها القوة الاستعماريةالسابقة للإقليم، وهي الدولة الأوروبية التي اختارت، في مرحلة مفصلية، أنتعلن أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 تمثلالأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع. وهو الموقف الذيعبر عنه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في رسالته الشهيرة إلىجلالة الملك محمد السادس، مؤكدا في الوقت نفسه أن البلدين مقبلان علىبناء علاقة جديدة تقوم على الشفافية والتواصل الدائم والاحترام المتبادلوالامتناع عن الأعمال الأحادية الجانب.

ومن هذا المنطلق يصبح السؤال مشروعا،  إذا كانت مدريد قد اعترفت بخيارالحكم الذاتي أساسا لتسوية النزاع، فلماذا تفتح في الوقت نفسه مساراتشريعيا يمنح شريحة واسعة من سكان الصحراء وضعا قانونيا إسبانياخاصا، ويمتد أثره إلى الأبناء والأحفاد؟

قد يقول قائل إن الأمر يتعلق بالجنسية، وإن القانون لا يحمل بالضرورة أيموقف من السيادة على الإقليم. وهذا صحيح من الناحية الشكلية. لكنالسياسة لا تقرأ دائما من عناوين القوانين، وإنما من توقيتها، ومن سياقها، ومن آثارها المحتملة.

وهنا تكمن المفارقة.

فالحكم الذاتي، في التصور المغربي، لا يعني سلخ سكان الصحراء عنهويتهم المغربية، وإنما يعني تدبير شؤونهم داخل إطار السيادة المغربية. ولذلك فإن تحويل جزء مهم من ساكنة الأقاليم الصحراوية إلى كتلة سكانيةتحمل، إلى جانب الجنسية المغربية، جنسية دولة أوروبية هي إسبانيا، قديخلق مستقبلا وضعا قانونيا وسياسيا شديد الحساسية.

ويمكن قراءة هذا المسار، من زاوية سياسية، باعتباره محاولة إسبانيةللاحتفاظ بورقة نفوذ داخل المنطقة حتى بعد تبني مدريد لمقترح الحكمالذاتي. أي أن إسبانيا قد تكون، من حيث لا تقول صراحة، تسعى إلىالجمع بين الاعتراف السياسي بالحكم الذاتي والاحتفاظ بأدوات تأثيرقانونية واجتماعية داخل الأقاليم الصحراوية.

إنها، ببساطة، سياسة مسك العصا من الوسط.

والملاحظ أن السؤال لا يعود متعلقا بالجنسية وحدها، بل بما يمكن أن تخلقه هذه الجنسية من امتدادات مستقبلية في مجالات الحقوق السياسيةوالاقتصادية والإحتماعية والقنصلية والقانون الدولي والعلاقات بين الدولةومواطنيها.

وقد يكون من المشروع، تبعا لذلك، أن ينظر المغرب إلى هذا التطور باعتبارهاستباقا سياسيا لمرحلة ما بعد تسوية قضية الصحراء، أي محاولة لتشكيلواقع اجتماعي وقانوني داخل الأقاليم الصحراوية قبل أن تتبلور نهائياترتيبات الحكم الذاتي ومؤسساته.

فإذا كان الحكم الذاتي سيجعل سكان الصحراء يتمتعون بتدبير موسعلشؤونهم في إطار السيادة المغربية، فإن وجود كتلة واسعة من مزدوجيالجنسية، تربطهم في الوقت نفسه رابطة قانونية بإسبانيا، قد يطرح مستقبلاأسئلة دقيقة حول الولاء المؤسساتي، وتضارب المصالح، وتولي المناصبالحساسة، وحدود التدخل القنصلي والسياسي، خصوصاً إذا تعلق الأمربمسؤولين أو منتخبين أو أصحاب مواقع ذات طبيعة سيادية.

ولهذا فإن المغرب ليس مضطرا إلى انتظار المستقبل حتى يكتشف تعقيداته.

لقد حان الوقت لإعادة النظر في المنظومة القانونية المتعلقة بازدواج الجنسيةوتولي المسؤوليات العليا في الدولة. وإذا كانت دول عديدة تضع قيودا مختلفةعلى وصول مزدوجي الجنسية إلى بعض المواقع السيادية، فإن المغربيستطيع، في إطار دستوره وقوانينه، أن يضع قواعد واضحة وشفافة تمنعتضارب الولاءات والمصالح في المناصب التي تتصل مباشرة بأمن الدولةوسيادتها وقرارها الاستراتيجي.

ولا يتعلق الأمر باستهداف المغاربة المقيمين في الخارج أو التشكيك فيوطنيتهم، فملايين المغاربة يحملون جنسيات أخرى ويظلون جزءا أصيلا منالنسيج الوطني. وإنما يتعلق الأمر بشيء آخر تماما، المسؤولية السياديةليست مجرد وظيفة، وإنما هي أمانة مرتبطة بمفهوم الولاء السياسيوالقانوني للدولة.

وفي هذا السياق، يكتسب النقاش الذي أثير سابقا حول منع مزدوجيالجنسية من تولي بعض المسؤوليات الحكومية والمناصب العليا أهمية خاصة. فالدولة التي تريد حماية قرارها السيادي لا تنتظر وقوع تضارب المصالح، وإنما تضع القواعد قبل وقوعه.

كما أن قضية أحمد لخريف، كاتب الدولة في الشؤون الخارجية السابق وماارتبط بها من جدل حول حصوله على الجنسية الإسبانية ثم إنهاء مهمتهالحكومية، تظل مثالا سياسيا يستحق التأمل كما يستحق الإستلهام،  بصرف النظر عن تفاصيل الملابسات القانونية والسياسية المحيطة بها.

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى مدريد واضحة : المغرب لا يعترض علىحق أي فرد في اكتساب جنسية أجنبية، لكنه لن يقبل أن تتحول الجنسيةالأجنبية إلى مدخل لإعادة إنتاج النفوذ السياسي داخل قضية يعتبرهامرتبطة بسيادته ووحدته الترابية.

وإذا كانت إسبانيا تريد بالفعل أن تبدأ صفحة جديدة مع المغرب، كما قالسانشيزفي الرسالة المذكورة، فإن الصفحة الجديدة لا يمكن أن تكونبوجهين.

إن العلاقات المغربية الإسبانية عرفت خلال السنوات الأخيرة ما يكفي منالأزمات لكي يصبح الحديث عن الشفافية أكثر من مجرد عبارة دبلوماسيةجميلة ومنمقة.

وقد أظهرت بعض الأحداث مايكفي من أوجه التناقض، فمن أزمة سبتةالحالية والسابقة وما رافقهما من توتر سياسي وإنساني، إلى استقبالإبراهيم غالي في إسبانيا بهوية مغايرة،  بن بطوش في تحايل سافر علىالمساطر القضائية الاسبانية لتفادي تقديمه امام أنظار القضاء الإسبانيالذي كان يطلبه، إلى الأزمة الدبلوماسية التي أعقبت ذلك، ثم عودة العلاقاتإلى مسار جديد، بدا أن مدريد أدركت أخيرا أن المغرب ليس مجرد جارجنوبي، وإنما شريك لا يمكن تجاوزه في قضايا الأمن والهجرة والاقتصادوالطاقة والاستقرار الإقليمي.

لكن السياسة الإسبانية تجاه المغرب ظلت، في نظر كثيرين، تحمل شيئا منالحربائية،  تتغير الألوان بحسب الظرف، وتتحرك بين لغة الصداقة حين تكونالحاجة إلى المغرب كبيرة، وأوراق الضغط حين تلوح فرصة لاستخدامها.

والغريب أن هذا يحدث بينما كانت رسالة سانشيز إلى الملك محمد السادستتحدث صراحة عن الشفافية والامتناع عن الأعمال الأحادية الجانب.

فهل يمكن اعتبار تشريع الجنسية للصحراويين، في هذا السياق، مجردإجراء إداري منفصل عن السياسة؟

ربما من الناحية القانونية.

لكن من الناحية السياسية، سيكون من السذاجة تجاهل توقيته وآثارهالمحتملة.

ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت إسبانيا تريد فعلا تصحيح ماتعتبره ظلما تاريخيا لصحراويين ولدوا في عهد الإدارة الإسبانية، فأين يبدأهذا التصحيح وأين ينتهي؟

لماذا تتذكر إسبانيا اليوم مسؤوليتها الاستعمارية في الصحراء، ولاتستحضر بالقدر نفسه إرثها الاستعماري في شمال المغرب؟

إن تاريخها الإستعماري لا يحتاج إلى ذاكرة انتقائية فجة إلى هذا الحد.  

لقد عرف الريفيون واحدة من أكثر صفحات الاستعمار الأوروبي قسوة فيالمنطقة. القتل والتهجير والتنكيل والقمعوما ارتبط بحرب الريف مناستخدام للأسلحة الكيميائية الفتاكة ترك جرحا عميقا في الذاكرة الجماعيةالوطنية،  وما زالت تداعيات ذلك التاريخ حاضرة في النقاش حول المسؤوليةوالاعتذار وجبر الضرر.

فإذا كان الضمير الإسباني قد استيقظ فجأة اليوم تجاه أبناء مستعمرةسابقة، فمن حق الريفيين أيضا أن يسألوا  وماذا عن جراحنا،

وإذا كانت إسبانيا تريد أن تفتح اليوم صفحة من الماضي الاستعماري فيالصحراء، فعليها أولا أن تتذكر أن للتاريخ المغربي جرحا آخر لم يغلق بعد،  الريف. هناك أيضا مرت الطائرات الإسبانية، وسقط الضحايا، وهجرتالأسر، واستعملت الغازات السامة في حربٍ ما تزال آثارها حاضرة فيالذاكرة والوجدان والأبدان.

فلا ينبغي أن يتحول تأنيب الضمير إلى أداة سياسية تستعمل حيث تخدمالمصالح وتنسى حيث تثقل المسؤولية. فإن كانت إسبانيا تبحث عن مصالحةمع ماضيها، فلتواجه تاريخها كله؛ وإن أرادت أن تمنح الجنسية تكفيرا عنماض استعماري، فقبل أن تفتح أبواب الجنسية للصحراويين، عليها أولا أنتفتح أبواب الاعتراف للريفيين بما اقترفته ايديها.  

 

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads