صحيفة إلكترونية استقصائية ساخرة
after header mobile

after header mobile

فرماج الأغلبية الذي فسد في بطن المواطن مع حلول الانتخابات

معاريف بريس – أخبار وطنية

 

فرماج الأغلبية الذي فسد في بطن المواطن مع حلول الانتخابات

يبدو أن “الطبخة” الحكومية في المغرب لم تعد تكتفي بإنتاج الوعود المعسولة، بل انتقلت في زمن المزايدات الانتخابية إلى تقديم وجبات “الفرماج الفاسد” على مائدة السجال السياسي. فقد فجّر كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، لحسن السعدي، قنبلة سياسية من العيار الثقيل خلال تجمعاته السنوية في إقليمي الصويرة وشيشاوة. السعدي لم يجد حرجاً في إطلاق قذائف كلامية حارقة استهدفت حلفاءه قبل خصومه، مستخدما قاموسا مشحونا بنعوت لاذعة من قبيل “الفراقشي مول السيرك” و”الفراقشي الذي يبيع الفرماج الفاسد لعباد الله”، في إشارات واضحة وصريحة التقط الجميع ذبذباتها نحو قيادات حزب الأصالة والمعاصرة (البام) بالدار البيضاء، ليتحول التحالف الحكومي “المنسجم” فجأة إلى حلبة لتصفية الحسابات وتبادل التهم بالسموم الغذائية والسياسية.

تلغيم الخطاب

تحول الخطاب السياسي المغربي، بقدرة قادر وبفعل اقتراب حمى صناديق الاقتراع، من “مقارعة الأفكار” المزعومة وتدبيج المخططات التنموية الوردية إلى آلية هجومية تعتمد على “التلغيم اللفظي” والضرب تحت الحزام الجنائي. هذا “التحليق” البلاغي ليس سوى محاولة بائسة لإخراج السجال الحزبي من وقار المؤسسات وتوجيهه نحو إثارة فزع المواطن في أمنه وصحته الغذائية، فقط من أجل استمالة عواطف عابرة وظفر بمقعد انتخابي إضافي.

وتكمن المفارقة الفاضحة في هذا التلاسن العشوائي، في محاولات أطراف الأغلبية التملص الجماعي من مسؤولية تدبير مشتركة عمرت لسنوات، عبر إحراق أوراق تحالفاتهم علناً وأمام دهشة الجميع. إن مثل هذه الاتهامات المرتجلة لا يمكنها بأي حال من الأحوال بناء وعي ديمقراطي حقيقي، بل تكرس وبنجاح انطباعاً سوداوياً لدى الناخب بأن النخب برمتها غارقة في الفساد، لدرجة جعل القوت اليومي للمغاربة ورقة للمزايدة.

يضع هذا المسار التواصلي الشعبوي النوايا الحقيقية للأحزاب في مأزق مضحك مبكٍ، حيث يتحول التنافس الشريف إلى “معركة كسر عظام” سينمائية تتجاوز الحدود الأخلاقية والخطوط الحمراء للعمل السياسي. وبدل أن يقدم الوزراء حصيلة قطاعاتهم، أصبحوا يستغلون المنابر الانتخابية لتمرير رسائل “مشفرة” وتصفية حسابات ضيقة، وكأن قضايا المواطن مجرد ديكور خلفي لمسرحية هزلية.

سوابق التحرك

إذا كان التاريخ القضائي الحديث للمملكة يعلمنا شيئاً، فهو أن النيابة العامة لا تتوانى عادة في تحريك أجهزتها فور ملامسة الادعاءات مصداقية الدولة وهيبة مؤسساتها. وخير مثال يساق هنا هو التحرك الصارم والسريع الذي قاده الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة للتحقيق في تصريحات البرلماني المصطفى الإبراهيمي، حينما تحدث علنا عن استعمال “أموال المخدرات” لشراء الذمم وتوجيه الخريطة الانتخابية.

هذا الحزم القضائي التاريخي كان بمثابة رسالة بليغة مشفرة لكل من تسول له نفسه استغلال المنابر التجمعية لإطلاق اتهامات ثقيلة دون تقديم وثائق أو إثباتات مادية ملموسة، لتؤكد النيابة العامة وقتها أنها تتدخل لحماية النظام العام من الإشاعات المغرضة. فالقانون لا يجب أن يكون مجرد متفرج في مسرح العبث اللفظي ومحاولات تقويض نزاهة الاستحقاقات الانتخابية.

وقد تكرر هذا الحسم في محطات سابقة عديدة شملت مرشحين وسياسيين وجدوا أنفسهم وراء القضبان أو قيد التحقيق بتهم ثقيلة تتعلق بالتبليغ عن جرائم خيالية أو القذف العلني غير المؤسس. وهو المنحى الذي يفترض بالقضاء دائماً سلوكه لرسم حدود واضحة وبتر الجرائم اللفظية التي تخرق مقتضيات القانون الجنائي دون تمييز بين الألوان الحزبية.

مأزق الوزير

أمام هذا المشهد السريالي، يجد كاتب الدولة لحسن السعدي نفسه في مأزق مزدوج لا يحسد عليه أمام صمت النيابة العامة؛ فإثارة وقائع مرعبة من حجم ترويج “أغذية فاسدة” للمواطنين يضعنا أمام سؤال حارق: هل كان السيد الوزير يعلم بالجريمة وسكت عنها حتى حلول الموسم الانتخابي؟ وهو ما يوقعه مباشرة في شراك تهمة “التستر على جناية” تمس بالسلامة الصحية للمغاربة.

وفي المقابل، إذا تبين أن معالي الوزير لا يملك في حقيبته سوى الكلام الإنشائي و”البوليميك” الانتخابي، وعجز عن تقديم أدلة مادية تدعم هذه الادعاءات الخطيرة ضد خصومه، فإن فرضية متابعته بتهمة “التبليغ عن وقائع يعلم بعدم حدوثها” والتشهير تصبح فرضية قانونية قائمة بقوة، خصوصاً أن هذا الكلام لم يصدر عن مواطن عادي بل عن قيادي يمثل السلطة التنفيذية.

بين التريث القضائي المعتاد لتجنب الانجرار وراء المعارك الحزبية الضيقة، وبين الحصانة الواقعية غير المعلنة التي تفرضها التوازنات والتوافقات الحكومية الراهنة، يبقى قرار عدم تحريك المتابعة السريعة ضد الوزير اختباراً حقيقياً ومحرجاً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومساواة الجميع أمام القانون.. فهل يفسد الفرماج الانتخابي في بطن القانون أيضاً؟

 

معاريف بريس Htpps://maarifpress.com

تعليقات الزوار
Loading...
footer ads

footer ads